مسلسل "الاختيار": تاريخ متناقض ترويه المؤسسة العسكرية

لا يزال مسلسل “الاختيار 3”، الذي أنتجته الشركة المملوكة للمخابرات العامة في مصر، يحظى بكثير من الجدل، داخل مصر وحتى خارجها، إذ إن صحيفة ذي إيكونوميست أفردت تقريراً حوله، جاء فيه أن العمل “فشل في كتابة التاريخ من وجهة نظر النظام، وهو التاريخ الذي يعرفه كل المصريين، وكشف في الوقت ذاته تآمر الدولة العميقة على نظام الرئيس محمد مرسي”. وسبقتها صحيفة نيويورك تايمز التي تحدثت عن إهدار الملايين على عمل فني أنتجته السلطة، للترويج لروايتها، فتحول إلى عبء عليها، لأن الناس لم يصدقوها.


يسعى “الاختيار” إلى تثبيت رواية تاريخية معينة، حول الأحداث التي وقعت قبيل الثلاثين من يونيو/ حزيران عام 2013 الذي تلاه انقلاب يوليو/تموز على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، محمد مرسي (1951ــ2019).


مراقبون ونقاد رأوا أيضاً أن المسلسل، الذي أشرف عليه العقيد محمود السيسي نجل الرئيس عبد الفتاح السيسي، مليء بالتناقضات التاريخية والدرامية، إذ حاول تركيز الهجوم على بعض الأطراف، بينما حرص على عدم إثارة حفيظة البعض الآخر، فخرجت الأحداث مرتبكة ومتناقضة.


وحسب نقاد، فإن محاولة شيطنة شخصيات بعينها في المسلسل، من فريق جماعة الإخوان المسلمين، واستثناء البعض الآخر، وتقديم جميع قادة الجيش في صورة الملائكة، واستبعاد بعضهم أيضاً، مثل الفريق سامي عنان، وعدم الإتيان على ذكر قضايا معينة مفتعلة “مثل قضية التخابر مع قطر” التي تحسنت العلاقات معها أخيراً، أدت إلى إنتاج دراما مشوهة ومجتزأة، لا تمت للواقع ولا للدراما بصلة.


وفي ما يتعلق برئيس أركان حرب القوات المسلحة السابق، الفريق سامي عنان، فلم يأت المسلسل على ذكره إطلاقاً، ولا حتى في سياق الأحداث الخاصة بإقالة الرئيس مرسي لوزير الدفاع آنذاك. واكتفى “الاختيار” بإشارة مبطنة في سياق الأحداث، وهي تعليق عضو مكتب الإرشاد، خيرت الشاطر، على اختيار الرئيس مرسي للواء عبد الفتاح السيسي ليكون خلفاً للمشير طنطاوي، قائلاً إنه غير راض عن هذا الاختيار. وعندما سئل عن ترشيحاته للمنصب، قال “إنتو عارفين أنا كنت عايز مين”، في إشارة من المفترض أن تفهم على أن مرشح الشاطر كان سامي عنان، وهي رسالة أراد المسلسل إيصالها بأن عنان كان “مرشح الإخوان”، وهو أمر مخالف للحقيقة، وفق مصادر من داخل الجماعة نفسها، أكدت أن مرشح الشاطر كان السيسي نفسه، وليس عنان.


كان اللافت في المسلسل أيضاً عدم التطرق للاتهامات المتعددة التي حوكم بسببها الرئيس الراحل محمد مرسي. وحرص الرئيس السيسي، الذي جسد شخصيته ياسر جلال، على إظهار الاحترام الكامل له في سياق الأحداث، ذلك إضافة إلى وصفه بـ”المرحوم” في مرتين متتاليتين.


وخفتت لهجة أعضاء اللجان الإلكترونية، الموالية للسلطة، بشأن مرسي، بعد سنوات من اتهامات تقليدية، سواء تلك التي حوكم بموجبها وأدين قضائياً، أو تلك التي روجتها اللجان على مواقع التواصل. وكان من المعتاد سابقا، أن يورد أعضاء تلك اللجان اسم الرئيس الراحل مسبوقا بلفظ “العميل” أو “الجاسوس”، واللفظ الأخير تحديداً كان اللقب المعتمد لدى أذرع السلطة الإعلامية في الفضائيات التابعة.


أدين الرئيس الراحل في اتهامات عدة بالسجن المؤبد، كما حوكم في أحداث الاتحادية، وعوقب بالسجن المشدد، قضى منها شهوراً قبل أن يرحل في يونيو/حزيران عام 2019. وأظهر مسلسل “الاختيار”، وهو “درامي تسجيلي” محمد مرسي ضعيفاً مهزوز الشخصية، خاضعاً لتوجيهات مكتب الإرشاد، وواقعاً تحت تأثير رجل جماعة الإخوان المسلمين القوي، خيرت الشاطر، المعتقل حالياً.




العمل الذي خضع لإشراف كامل من مستويات عليا في السلطة والأجهزة الأمنية لم يُشر صناعه إلى أي من الاتهامات المنسوبة لمرسي مطلقاً، رغم حرص صناعه ومشرفيه على اختتام الحلقة بمقاطع مصورة، أو صوتية لقيادات الجماعة أثناء لقاءات جرت في مقر القيادة العامة للقوات المسلحة أو أحد فروعها، في الفترة بين عامي 2011 و2013.


وجاءت تلك المقاطع، التي اتضح اقتطاعها والتلاعب بها، سواء الصوتية أو المصورة، خالية من أي من الاتهامات المنسوبة لمرسي، رغم إيراد ما هو أقل منها شأناً في ما يتعلق بنقد مرسي لقيادات أحزاب أخرى وشخصيات سياسية، بينما كانت المفاجأة لمناصري السلطة ومؤيدي مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، ورود تسريب في إحدى الحلقات، يحذر فيه مرسي وزير الدفاع السابق، حسين طنطاوي، من تزوير الانتخابات الرئاسية، لصالح منافسه الفريق أحمد شفيق، ما اعتبره مؤيدو مرسي دليلاً ينسف جل رسالة المسلسل التي أرادت التقليل من شأن الرئيس الراحل.


والمفارقة أن المشاهد التالية أظهرت طنطاوي متردداً بشأن إعلان الفائز الحقيقي بالانتخابات، خشية أن يقال عنه إنه “سلم البلد للإخوان”، لولا تدخل السيسي الذي طلب إعلان النتيجة الحقيقية، بناءً على الآية القرآنية: “ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا”، مؤكداً أن الناس “اختارت الإخوان بدافع من عاطفتهم الدينية”.


بدا السيسي مبجلاً لمرسي طوال حلقات المسلسل، ولا يناديه إلا بلفظ فخامة الرئيس، ولا يحدثه إلا باحترام مبالغ فيه، مع قليل من نظرات الحنق على سياساته. حتى أن ختام الحلقات التي تناولت الأيام السابقة على الإطاحة بالرئيس المعزول، جاءت تأكيداً على صورة السيسي، “الناصح الأمين”، للقيادة السياسية لعمل انتخابات مبكرة تجنب البلاد “الانزلاق لأتون حرب أهلية”.


لكن، في هذا السياق، برز تساؤل: “إذا كان مرسي عميلا وخائنا ومتورطاً في بيع الأرض المصرية، هل كان السيسي سيظل يقدم له النصح لكي يستمر رئيساً لكل المصريين، كما ورد نصاً في المسلسل؟”. أما في ما يتعلق بتغييب اتهام مرسي بالتخابر مع قطر، فجاء تفسيره -بحسب متابعين- أنه عائد إلى تحسّن العلاقات بين نظامي البلدين، عقب قمة العلا في السعودية التي تصالح فيها ثلاثي الحصار الخليجي لقطر، رغم أن المسلسل أشار في إحدى حلقاته إلى مساعي مجموعة تنتمي لجماعة الإخوان المسلمين وفي الدائرة المحيطة بالرئيس لتهريب وثائق مهمة وحساسة للخارج.


وكان من ما تداولته اللجان، مسألة بيع الرئيس الراحل لأراضي سيناء لمستثمرين أجانب، ومسارعة السيسي لإصدار قرار بمنع تملك الأجانب لأراض في سيناء. وجاءت الإشارة في المسلسل إلى هذه النقطة، باعتبارها إحدى مؤامرات مكتب الإرشاد، من دون أي دور لمرسي في الأمر.


وقال تقرير لـ “ذي إيكونوميست”، تحت عنوان “نسخة المنتصرين… دراما باذخة تحاول حشد المصريين بذكريات سوداء”، أن “الاختيار” فشل في تدوين التاريخ أو الدعاية السياسية، فالمصريون كانوا يعرفون كيف سينتهي الأمر. ويصف المنتجون العرض -وفق التقرير- بأنه “ليس ترفيهياً فحسب، ولكنه كتاب للتاريخ”. يستعرض التقرير كيف نقل المسلسل ما جرى داخل الدولة الأمنية أثناء حكم مرسي، ليلقي الضوء على القليل من تآمر الدولة العميقة على النظام، كما أنه عرض تسجيلات حقيقية لمسؤولي الجماعة، التقطت خلسة، ولم تبث من قبل، وتصم “الإخوان” بأنهم عنيدون وعاجزون.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً