مصالحة الحريري-ريفي: عودة إلى مرحلة مواجهة "حزب الله"؟

لم تكن المصالحة بين رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، والوزير السابق أشرف ريفي، والتي تمت أول من أمس مفاجئة، لا سيما بعد أن عمل رئيس الوزراء اللبناني السابق فؤاد السنيورة، الذي استقبل الرجلين في منزله، على تحضير الأرضية اللازمة للمصالحة منذ أشهر، وسبقها الكثير من الرسائل الإيجابية بين الرجلين قبل أن تنضج الظروف التي سمحت بحصول اللقاء. لكن تداعيات هذه المصالحة تبدو غير واضحة وتثير تساؤلات عدة، تحديداً لجهة ما إذا كانت ستمهد للعودة إلى مرحلة مواجهة حزب الله سياسياً في لبنان، لا سيما أن هذا الموضوع كان سبباً رئيسياً للخلاف بين الحريري وريفي قبل نحو 3 سنوات.
ففي العام 2016 استقال ريفي من عضويته في حكومة تمام سلام كوزير للعدل بعد اعتراضه على ممارسات “حزب الله” وعلى خلفية ملف الوزير الأسبق ميشال سماحة المتهم بنقل متفجرات من سورية إلى لبنان. وأدت الاستقالة إلى توتر في العلاقة مع الحريري، الذي كان يميل إلى سياسات مهادنة مع “حزب الله” في مقابل دعوات ريفي إلى الاستقالة من الحكومة ومواجهة الحزب. وتحولت العلاقة بين ريفي والحريري لاحقاً من صداقة إلى عداوة خصوصاً بعدما اعتبر زعيم تيار المستقبل أن ريفي، والذي لطالما كان مقرباً من والده رفيق الحريري، يزايد عليه في المواقف. وعقب ذلك خاض ريفي، الذي بنى شعبيته عبر خطابه المناهض للحزب في طرابلس شمال لبنان، معركة بوجه لائحة الحريري في المدينة في الانتخابات البلدية في مايو/أيار العام 2016 وانتصر فيها، إلا أنه هزم لاحقاً في المعركة النيابية في مايو/أيار 2018.

وتؤكد التسريبات عن مضمون لقاء المصالحة أنه كان إيجابياً وتخلله الكثير من الإشارات إلى رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري وإرثه، والحديث عن “العائلة” و”البيت الواحد”، مقابل القليل من الحديث عن التباين في التوجهات السياسية وطريقة مقاربة الأمور بين ريفي والحريري، وسط تركيز على أن الخلاف يكمن في طريقة التعاطي سياسياً مع “حزب الله” وليس في النظرة إليه. واختير منزل السنيورة لعقد لقاء المصالحة، لاعتبارات عدة أولها عدم كسر ريفي، وثانيها إعطاء السنيورة حقه، خصوصاً بعد الحملة الأخيرة التي فتحها “حزب الله” ضده على خلفية “اختفاء 11 مليار دولار” خلال الفترة التي كان فيها رئيساً للحكومة. 

وبينما يحاول البعض في تيار “المستقبل” حصر ضرورات المصالحة أو خلفياتها بالمعركة الانتخابية الفرعية المقبلة في مدينة طرابلس في إبريل/نيسان المقبل، والتي تجرى على خلفية إعلان المجلس الدستوري بطلان نيابة ديما الجمالي والتي تترشح مجدداً للانتخابات الفرعية عن تيار المستقبل، وبالحسابات اللبنانية – اللبنانية، فإن ثمة عوامل تفرض قراءات مختلفة للمصالحة، لعل أهمها التباين بين الحريري، الذي يريد المهادنة عنواناً سياسياً للعلاقة مع “حزب الله”، وبين الكثير من “الصقور” في تيار “المستقبل”، الذين يرفعون شعارات أكثر صدامية مع الحزب. يشار إلى أنه عندما شكل هذا الملف الخلاف الأساسي بين ريفي والحريري قبل نحو ثلاث سنوات، قيل وقتها إن فريق المهادنة الذي يحيط بالحريري انتصر، وكانت نتيجته تحييد ريفي، لكن لاحقاً خلطت الأوراق بعد احتجاز الحريري في السعودية، وما تلاها من عودته إلى لبنان، وإقصاء الفريق المحيط برئيس الوزراء الذي رفع شعار المهادنة، على الرغم من أن الحريري لم يحد عن هذه السياسة. وتقول مصادر في تيار “المستقبل”، لـ”العربي الجديد”، إن الحريري لا يزال عند موقفه المهادن سياسياً مع “حزب الله”، وتحديداً حكومياً، لكن الجميع، صقوراً وحمائم، في مواجهة سياسية مع “حزب الله”. على الرغم من ذلك تقول المصادر إن المصالحة بين ريفي والحريري لا تعني أن الأخير بدأ يتجه إلى خيار المواجهة.

لكن توقيت اللقاء يرسم أكثر من علامة استفهام، خصوصاً أنه أتى بعد عودة الحريري من الرياض ولقاء الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز وفي وقت تشير مصادر إلى أن عنوان المرحلة الحالية هو تجميع الأوراق في الداخل اللبناني، استعداداً لمرحلة مقبلة لا تزال كامل معالمها غامضة، وإن كان بعضها بدأ بالظهور مع التصعيد الأميركي ضد إيران و”حزب الله”، وهو ما بدا واضحاً في زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون السياسية ديفيد هيل قبل تأليف الحكومة، وزيارة مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد بعد تأليف الحكومة، وتخلل الزيارتين لقاءات مع شخصيات محسوبة على ما كان يسمى فريق “14 آذار” وتوجيه رسائل أقرب إلى الإنذار للدولة اللبنانية في ما يتعلق بحزب الله. ولذلك ينتظر أن يكون للمصالحة تداعياتها على الساحة السياسية، لا سيما بعد اتضاح طريقة التعاون بين الرجلين.

وإزاء هذه المعطيات يبدو الحديث عن أن حسابات خاصة بالانتخابات الفرعية في طرابلس فرضت المصالحة بين الحريري وريفي أمراً مبالغاً فيه، على الرغم من أن مصادر “المستقبل” تكرر في حديثها، لـ”العربي الجديد”، الإشارة لهذا الموضوع بوصفه عاملاً ساهم في إنجاز المهمة. لكن في المقابل يبدو في الحسابات الانتخابية أن المعركة محسومة قبل أن تبدأ خصوصاً بعد موقف رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي الداعم للحريري، واستحالة فوز أي مرشح آخر غير محسوب على “المستقبل”، بسبب القانون الأكثري الذي ستجري الانتخابات وفقه، بما أن “المستقبل” يستند إلى نحو 28 ألف صوت نالها في المدينة في الانتخابات الأخيرة، ما يعطي للمصالحة أبعاداً أخرى.

وكان السنيورة حضر طويلاً للمصالحة وتحديداً منذ انتهاء الانتخابات النيابية التي شكلت منعطفاً مهماً في الخلاف بين الرجلين، إذ أدرك ريفي أن كسر أو الاستحواذ على شارع “المستقبل” ليس مهمة سهلة، وأدرك تيار “المستقبل” أن لريفي حيثية ولو محدودة (نالت لائحة ريفي نحو 10 آلاف صوت في الانتخابات النيابية).

وكان نجم اللواء أشرف ريفي لمع على نحو خاص بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري، في مرحلة شهدت صراعا بين فريق 14 آذار والأجهزة الأمنية التي كانت تسيطر عليها شخصيات محسوبة على النظام السوري. تولى ريفي منذ العام 2005 إدارة قوى الأمن الداخلي، وتحول ريفي مع وسام الحسن الذي كان يترأس فرع المعلومات التابع لقوى الأمن الداخلي سريعاً إلى رقم أمني وسياسي، خصوصاً في مرحلة شهدت الكثير من الاغتيالات التي طاولت قوى 14 آذار، ومن بينها اغتيال الحسن نفسه في العام 2012. بعد خروج ريفي إلى التقاعد في العام 2013 عقب رفض حزب الله تمديد ولاية ريفي في قيادة قوى الأمن الداخلي، تحول إلى العمل السياسي من بوابة تيار المستقبل. يومها وضع حزب الله فيتو على توليه وزارة الداخلية، لكنه في المقابل تولى حقيبة العدل حتى العام 2016 قبل أن يسقيل منها وتتخذ العلاقة بينه وبين سعد الحريري منحى العداء قبل أن تتم المصالحة بينهما أول من أمس.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *