مصر: تدوير المعتقلين بمحاكمات وهمية

بدأت في مصر، أمس الخميس، محاكمة ثلاثة من المعتقلين في قضية “خلية الأمل”، هم زياد العليمي وهشام فؤاد وحسام مؤنس، على ذمة قضية جديدة مجهولة الحيثيات، وجهت لهم فيها اتهامات بتكدير السلم العام، ونشر أخبار كاذبة من خلال مجموعة من المنشورات التي تعود لسنوات سابقة على مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف ضمان استمرار سجنهم بعد انتهاء فترة الحبس الاحتياطي القصوى لهم على ذمة قضية “الأمل” منذ أيام.

وحملت القضية الجديدة رقم 957 لسنة 2021 جنح أمن دولة طوارئ، ما يرجح الحكم سريعاً فيها عقب عيد الأضحى (يصادف الثلاثاء المقبل) بحكم نهائي غير قابل للاستئناف، بما يكفل تقنين إبقاء جميع متهمي “خلية الأمل” في محبسهم لفترة غير معروفة، مع رفض الوساطات التي تبذلها شخصيات سياسية وإعلامية للإفراج عنهم، وذلك بعد ترويج وعود عدة في الشهور الماضية لإخلاء سبيل بعضهم.

وبذلك، تكون قد اتضحت استراتيجية النظام الجديدة للالتفاف على الوعود التي يعطيها ممثلوه من الدبلوماسيين وقيادات المخابرات العامة للمسؤولين في الخارج، وقيادات الأمن الوطني للوسطاء في الداخل، بتعامل أكثر مرونة مع ملف حقوق الإنسان، بالتزامن مع تنامي الاتصالات بين النظام والإدارة الأميركية الجديدة، وحديث الرئيس جو بايدن ووزير خارجيته أنتوني بلينكن، الشهر الماضي، عن ضرورة الاستجابة لمناشدات تحسين أوضاع الحريات في البلاد.


تنوعت أسباب قرارات منع خروج بعض المعتقلين السياسيين


وتعتبر استراتيجية تدوير المعتقلين بواسطة المحاكمة، وليس مجرد حبسهم في قضايا جديدة، أحدث وسائل استغلال الثغرات القانونية. ولا يستبعد أن يتكرر الأمر مع الخبير الاقتصادي يحيى حسين عبدالهادي، الذي كان قد أكمل عامين في الحبس الاحتياطي، على ذمة القضية الأصلية المتهم فيها، بحلول مارس/آذار الماضي. وفي الأسابيع الأخيرة، فوجئ بتوجيه اتهامات جديدة له في القضية 1356 لسنة 2019، المتهمة فيها مجموعة من النشطاء السياسيين الذين لا يجمعهم شيء إلا معارضة النظام، وعلى رأسهم علاء عبدالفتاح، كما حدث سابقاً مع الباحث اليساري أحمد سمير سنطاوي، الذي تم اعتقاله منذ بضعة أشهر، وبدلاً من إخلاء سبيله أحيل لمحاكمة سريعة نتج عنها الحكم عليه بالسجن 4 سنوات بسبب منشورات قديمة على مواقع التواصل الاجتماعي، مع عدم تحريك القضية الأصلية التي اعتقل على أساسها.

وذكرت مصادر أمنية، لـ”العربي الجديد”، أن ضباط الأمن الوطني في السجون عقدوا لقاءات خلال الأسابيع الماضية مع عدد من المعتقلين السياسيين البارزين، ومنهم بعض ممن بدأت محاكمتهم أمس، للاتفاق معهم على طريقة التعاطي المستقبلية مع الأحداث وإملاء بعض الشروط عليهم، مثل الابتعاد عن القضايا السياسية المثيرة للجدل، وعدم الحديث في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وتلقى بعضهم وعوداً بالإفراج عنهم. ثم عاد الضباط ليعقدوا لقاءات جديدة معهم، وبدون مقدمات اتُخذ قرار بعدم خروجهم، وتدبير وسيلة لاستمرار اعتقالهم.




وأضافت المصادر أن قرار منع خروج بعض المعتقلين السياسيين تنوعت أسبابه، ما بين عقاب للبعض على عدم تقديمهم الإجابات المطلوب سماعها خلال اجتماعهم بضباط الأمن الوطني، أو كعقاب على تصريحات ومنشورات معارضة لمقربين منهم على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن السبب الرئيس، بحسب المصادر ذاتها، أنه على النقيض من مطالبة البعض بضرورة إحداث انفراجة حقيقية لتوحيد الصف وتلافي الخلافات السياسية في فترة أزمة سد النهضة، فإن الرؤية المستقرة حالياً لدى المخابرات العامة تحديداً تتمثل في تأجيل أي خطوة من شأنها فتح المجال العام، إلى حين خفوت أزمة سد النهضة، أو حلها نهائياً. ويسود الاعتقاد لدى البعض أن تعدد الآراء السياسية والإعلامية في هذه القضية ربما يؤدي لمشاكل لا تُحمد عقباها، وإثارة مخاوف المواطنين والتشكيك في صحة سياسات وقرارات النظام المتخذة سلفاً، وعلى رأسها اتفاق المبادئ، والمطالبة بمحاسبة سياسية شفافة عليه.

وأضافت المصادر أن هذه الرؤية تتجه إلى أن كل هذه الآثار السلبية على النظام ستكون نتيجة طبيعية لأي تراجع عن مستوى القمع الحالي، بما جعل دائرة الرئيس تمضي في الاكتفاء بالتحركات الدعائية غير المؤثرة على المجال العام، مثل إخلاء سبيل عشرات المعتقلين المجهولين في قضايا تظاهرات ومخالفات بناء، تعود للفترة من سبتمبر/أيلول 2019 وحتى الآن، والترويج لها باعتبارها خطوات إيجابية، من خلال بعض الشخصيات السياسية والنيابية. وربطت مصادر أمنية بين أسباب استمرار غلق المجال العام والتوسع في الاستراتيجية الجديدة لتدوير المعتقلين بالمحاكمات، وبين إرجاء إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، عن الموعد الذي كان مقرراً نهاية يونيو/حزيران الماضي. وفي هذا السياق، قالت مصادر حكومية وأخرى حقوقية إن إرجاء إطلاق الاستراتيجية يثير شكوكاً في مدى الالتزام بما أسفرت عنه أعمال إعدادها من قبل اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان، التابعة لمجلس الوزراء المصري، والمشكّلة أساساً من سفراء ومستشارين بوزارة الخارجية، بمشاركة الحقوقيين من المجتمع المدني في الهيئة الاستشارية للاستراتيجية، لتشمل كلاً من المحامين نجاد البرعي ونهاد أبو القمصان وعصام شيحة وأيمن عقيل، إلى جانب الأعضاء السابقين؛ منى ذو الفقار ونيفين مسعد وسامح فوزي وعلاء شلبي ومحسن عوض.


فشلت جميع المناقشات في حلحلة ملف فتح المجال العام


وأضافت المصادر أنه في المرحلة الأخيرة من الأعمال بات واضحاً وجود فجوة بين التعهدات والآمال المقدمة من جانب، وسلطة المخابرات والأمن الوطني من جانب آخر، واعتراض الجهتين على عدد من النقاط الخاصة باستبدال عقوبات الحبس وتخفيف الإعدام، وتركيزهما أكثر على طريقة تسويقها وترويجها في الخارج، رابطة إياها بالخطوات التي تبذلها لتحسين صورتها في العواصم الغربية دون تحقيق تقدم يذكر على الصعيد المحلي، ومن بينها استمرار إصدار قرارات بإخراج منظمات، ليس لها نشاط ولا تمارس العمل الحقوقي في الأساس، من قائمة الاتهام في قضية التمويل الأجنبي، وإصدار قرارات عفو تشمل السجناء الجنائيين العاديين لا السياسيين.

وأشارت المصادر إلى فشل جميع المناقشات حول حلحلة ملفين أساسيين لفتح المجال العام وتأسيس عهد جديد للتعامل الحقوقي. أول تلك الملفات إنهاء الملاحقة الجنائية للنشطاء الحقوقيين وإغلاق قضية التمويل الأجنبي تماماً، وثانيها رفع الحجب عن مواقع الإنترنت والصحف الرقمية، والتي يبلغ عددها أكثر من 600، بحسب تقديرات “مؤسسة حرية الفكر والتعبير”، لكن مع مراعاة أن تكون الأولوية في العمل على رفع الحجب للمواقع التي تبث من داخل مصر. أما الملف الثالث، الذي كان أعضاء باللجنة الدائمة قد أبدوا استعدادهم للحديث بشأنه أيضاً، فيرتبط بسحب مشروع قانون الأحوال الشخصية وإطلاق حوار مجتمعي بشأن قانون عادل للأسرة يكفل الحقوق المتساوية للنساء، وقد تحقق فيه تقدم ملحوظ، بوقف مناقشة المشروع، وتم طرح عدة مشروعات قوانين لإكساب النظام صورة الحرص على تمكين المرأة وحمايتها، ومنها مشروع القانون، الذي وافق عليه مجلس النواب نهائياً أخيرا، لتغليظ عقوبة التحرش.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً