مصر وتركيا: تفاهمات اقتصادية تعطلها خلافات حول ليبيا

كشفت مصادر دبلوماسية مصرية نتائج الجولة الثانية من المباحثات الاستكشافية بين مصر وتركيا التي استقبلتها أنقرة، واصفة إياها بـ”المحدودة”، على المستوى السياسي، بينما تتقدم في ملفات اقتصادية مهمة، الأمر الذي يعطل الإعلان عن إجراءات ملموسة على أرض الواقع، حتى الآن.

وقالت المصادر، لـ”العربي الجديد”، إن حصيلة الجولة الثانية من المباحثات لم تكن على المستوى المأمول لمصر، بسبب رفض الجانب التركي مطالب قدمتها القاهرة، بالإضافة إلى عدم التوصل لنقاط اتفاق في بعض الملفات الخلافية، ومعظمها يتركز على ليبيا. وأوضحت أن الإيجابية الوحيدة للجولة الثانية ربما تكون في عقد الاجتماع بحد ذاته، ومواصلة هذا النوع من الاجتماعات التي تضمن عدم العودة لحالة القطيعة الدبلوماسية.


رفضت أنقرة قطعياً فكرة تسليم مطلوبين من جانبها


وكشفت المصادر أن أنقرة رفضت قطعياً فكرة تسليم مطلوبين من جانبها، حتى لو كانت صدرت بحقهم أحكام في قضايا متعلقة بالإرهاب، مؤكدة، في الوقت نفسه، التزامها بوقف التحريض ضد النظام المصري من أراضيها. كما كشفت المصادر أنه خلال مباحثات سابقة كان هناك نقاش بشأن إمكانية تسليم متواجدين مصريين على أراضيها مدرجين في النشرة الحمراء المعدة من جانب الإنتربول الدولي. ووقتها، أكدت تركيا عدم تسليم أي شخص صادرة بحقه أحكام من محكمة عسكرية، مع إمكانية خضوع ما دون ذلك للنقاش داخل الدوائر المعنية لديها بملف التهدئة مع القاهرة، قبل أن تعود مجدداً إلى رفض المبدأ برمته، وهو الأمر الذي لم يلق استحساناً مصرياً، رغم الخطوات التي سبق وتقدمت بها أنقرة بوقف بعض الإعلاميين والبرامج التي تبث من إسطنبول.

وبحسب المصادر، فإنه على ضوء المناقشات التي جرت خلال الجولة الأخيرة من المباحثات، أرجأت مصر اتخاذ خطوات عملية على صعيد عودة العلاقات الدبلوماسية، لافتة إلى أن الجانب المصري طلب إخضاع المطلب التركي بتبادل السفراء لمزيد من الدراسة، على حد تعبير المصادر. وكشفت المصادر أن الملف الليبي كان محل خلاف خلال الجولة الأخيرة، إذ تمسكت فيه تركيا بالتفرقة بين تواجد مقاتلين سوريين تابعين لها في ليبيا وبين العسكريين الأتراك المتواجدين هناك ضمن الاتفاقية الموقعة في وقت سابق مع حكومة الوفاق الوطني. وأكدت المصادر أن القاهرة رفضت التفرقة، متمسكة بإخراج أي تواجد أجنبي تحت أي مسمى، لافتة إلى أنه تم إنهاء الجولة دون غلق الباب أمام اجتماعات جديدة.




وكشفت مصادر دبلوماسية مصرية عن قطع شوط كبير خلال الاتصالات المصرية التركية الأخيرة، وصولاً لعقد الجولة الثانية من المباحثات الاستكشافية لسبل تطوير العلاقات بين البلدين في أنقرة، نحو الاتفاق على الخطوط العريضة لترسيم حدود المنطقتين الاقتصاديتين البحريتين الخالصتين بين البلدين، بما يأخذ بعين الاعتبار الاتفاقيتين السابق توقيعهما بين مصر وقبرص في العام 2003، ومصر واليونان عام 2020 في هذا الصدد، والاتفاق السابق توقيعه بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية عام 2019.

وبحسب المصادر، فإن المبدأ الأبرز في التفاهم حتى الآن أن النقاط التي سيتم تحديدها يمكن مراجعتها، أو إعادة تحديدها، لتصبح نقاطاً ثلاثية تشمل دخول طرف ثالث فيها، الأمر الذي يبدو عنصر طمأنة لكل من قبرص واليونان، اللتين ترفضان بشكل مطلق جميع الحسابات التركية لحدودها البحرية، نتيجة تمسك الأخيرة بنظرية اقتران المناطق الاقتصادية بالجرف القاري، وعدم تمتع الجزر بحدود بحرية مثل المناطق القارية تمنحها إمكانية خلق مناطق اقتصادية خاصة بها، وهو ما يخالف عدداً من الاتفاقات والأحكام الدولية ذات الصلة، التي صدرت عن محكمة العدل الدولية وهيئات أخرى، في منازعات سلمية مختلفة لترسيم الحدود.


تم قطع شوط كبير نحو الاتفاق على الخطوط العريضة لترسيم حدود المنطقتين الاقتصاديتين البحريتين الخالصتين بين البلدين


وأضافت المصادر أن ترسيم المنطقة الاقتصادية للبلدين سيتم في المسافة بين خطي الطول 28 (الحد الشرقي للحدود المصرية اليونانية) و30.05 (الحد الغربي للحدود المصرية القبرصية)، ما يعني تلافي الدخول إلى المناطق التي تم تحديدها سلفاً، وكذلك عدم الزج مستقبلاً بمصر في الأزمة بين تركيا واليونان حول صلاحية جزيرة كريت لاعتبارها كجرف قاري، يبدأ منه احتساب الحدود بين اليونان وليبيا، وبالتالي استمرار الوضع الفعلي للاتفاق التركي الليبي هشاً، رغم قبول الأمم المتحدة إيداعه لديها، في انتظار حسم نهائي لمنازعة أثينا للبلدين عليه. ويتماشى هذا الأمر مع الاتفاق المصري اليوناني، الذي ينص في الفقرة (هـ) من المادة الأولى، على أن “تخطر كل دولة الأخرى، وتتشاور معها حال دخولها في مفاوضات لتحديد منطقتها الاقتصادية مع دولة ثالثة تشترك مع الطرفين في مناطق بحرية” الأمر الذي ينطبق على تركيا وليبيا فقط.

الجدير بالذكر أن الاتفاق المصري اليوناني كان قد تحاشى ضم بعض الجزر الصغيرة التابعة لرودس (الأقرب إلى تركيا من اليونان)، بما فيها جزيرة كاستيلوريزو (ميستي) التي تبعد ميلاً واحداً عن مدينة كاش الساحلية التركية بمحافظة أنطاليا. وبشأن الاتفاق مع اليونان، فإن مصر وتركيا متوافقتان على أن يكون الاتفاق بينهما “جزئياً”، على أن يتم استكمال تعيين الحدود البحرية التامة بين البلدين لاحقاً، في وقت يراه البلدان مناسباً، وفي ظل أحكام القانون الدولي.

وذكرت المصادر أن وصول البلدين إلى المرحلة الحالية يعكس التطور الذي شهدته الاتصالات المباشرة منذ منتصف الشهر الماضي، وكذلك التفاهمات الإيجابية التي أثمرتها جولة المباحثات الاستكشافية في مايو/أيار الماضي، بعد شهرين تقريباً من إبلاغ مصر لليونان بتأخير مسألة الترسيم مع تركيا، عندما وقع الخلاف بينهما على الخريطة التي أُعلنت للمناقصة المصرية للبحث عن مكامن المواد الهيدروكربونية في منطقتها الاقتصادية الخالصة المشكّلة بموجب اتفاق ترسيم الحدود مع اليونان، حيث تضررت أثينا منها، ثم عُدلت بناء على اتصالات ومفاوضات سياسية وفنية بين البلدين. لكنها في الوقت ذاته لم تمثل سبباً للتحرش بتركيا أو إهدار مكتسباتها، الأمر الذي عكس رغبة الأطراف كافة في التوصل إلى حلول تبعد شبح الصراع عن المنطقة.


مصطفى مدبولي: لا ينبغي لأي دولة أن تتدخل في ليبيا


وأوضحت المصادر أن مصر وتركيا حاولتا، منذ مارس/آذار الماضي، اتخاذ خطوات تجعل مفاوضات الترسيم مستقبلاً ممكنة وسهلة، وعلى رأسها التفاهم حول أوضاع جماعة “الإخوان المسلمين” والقنوات الفضائية المعارضة، وهو ملف حصل فيه الرئيس عبدالفتاح السيسي على مكاسب ملحوظة بوقف أهم منابر المعارضة من الأراضي التركية، والتي كانت تحظى بشعبية كبيرة في مصر. فضلاً عن ذلك، كشفت المصادر أنه من المرجح حالياً حصول مصر على مساحة إضافية للمنطقة الاقتصادية الخاصة بها، ببدء احتساب حدود تركيا بعد عدة أميال من جرفها القاري، كبرهان على تأكيد حسن النوايا، ولتيسير المناقصات المصرية المزمعة في هذه المنطقة، بالتوازي مع مناقصاتها السابقة المعلنة في المنطقتين المرسّمتين مع قبرص واليونان.

وحتى الآن، لم تتم بلورة مقترحات للتعاون بين تركيا ودول منتدى شرق البحر المتوسط للغاز الطبيعي، لكن النقاشات التي تُجرى في هذا السياق تعكس ضرورة العمل على توحيد مصالح جميع الأطراف، بدعم جهودها لإثراء سوق المنتجات الهيدروكربونية وحماية أنشطة الاستكشاف والاستخراج وتقريب الأسعار في عقود التوريد، وذلك على خلفية الشكوك التي تجتاح الدوائر الاقتصادية المختلفة حول استمرار اعتماد أوروبا على الغاز والمنتجات الهيدروجينية في العقود القادمة، في ظل توجه عدة دول أوروبية إلى التوسع في استخدام الطاقة النظيفة وسن تشريعات لضمان ذلك.

وفي هذا الملف يبدو من المهم تقريب وجهات النظر لاستغلال الأراضي التركية، إلى جانب قبرص واليونان، كمحطات لوجيستية للمشاركة مع مصر والاحتلال الإسرائيلي في مشروعهما الطموح لتصدير الغاز لأوروبا، بعد إسالته بوحدتي دمياط وإدكو بمصر، والذي سيكون جزء كبير منه تابعاً لدولة الاحتلال في إطار الشراكة بين البلدين، والتي أعلن انطلاقها بداية العام الحالي بالربط بين حقل “ليفيتان” والوحدتين عن طريق خط الأنابيب البحري.

ووفقاً للتصورات المصرية النهائية لهذه المستجدات، وارتباطاً بالمحادثات الجارية لترسيم الحدود البحرية لقطاع غزة، فإنه سيتم توسيع شبكة الأنابيب المقامة بين مصر ودولة الاحتلال، والمملوكة حالياً لشركة جديدة، مقرها هولندا، أسست خصيصاً لامتلاك شبكة الأنابيب، بين شركتي “نوبل إنيرجي” الأميركية و”ديليك” الإسرائيلية وشركة “غاز الشرق” المملوكة حالياً للدولة المصرية، ممثلة في جهاز المخابرات العامة وهيئة البترول، لتشمل فلسطين وقبرص واليونان. وتهدف مباحثات توسيع الشبكة الجارية حالياً- والتي شملت أخيراً تركيا أيضاً- بشكل أساسي إلى استفادة جميع دول المنتدى من مصنعي إسالة الغاز في مصر، وعلى رأسهم الاحتلال وفلسطين، خاصة أن الهدف مرضٍ لمصر اقتصادياً تماماً، بسبب عدم إمكانية تشغيل وحدتي الإسالة بالغاز المصري فقط في الفترة الحالية، ورغبتها في تلافي ما حدث سلفاً، عندما وجدت نفسها مطالبة بأكثر من ملياري دولار لصالح شركة “يونيون فينوسا” الإسبانية، مديرة وحدة الإسالة بدمياط، بعد توقف صادراتها من الغاز المسال بسبب تراجع كميات الغاز الموردة لها من مصر لصالح السوق المحلية.

وكان وزير الخارجية المصري، سامح شكري، قد علق على الجولة الثانية من المحادثات الاستكشافية بين مصر وتركيا، مؤكداً أن بلاده “متحمسة للوصول إلى حل، وللصيغة الضرورية لاستعادة العلاقات الطبيعية بين الدولتين”. وقال شكري، في تصريحات إعلامية، إنه “ما زالت هناك أمور تحتاج إلى حل وتقييم”، معرباً عن “تطلع مصر إلى إيجاد أفضل نتيجة من أجل استعادة العلاقات بينهما”. وأكد أنه “خلال هذه المرحلة لا يزال علينا تقييم مخرجات الجولة الثانية من المحادثات، وخصوصاً سياق العلاقات الثنائية، وعدد من الإجراءات التي اتخذتها تركيا وتحتاج إلى نوع من المعالجة”. وأضاف: “عندما نشعر بالرضا تجاه حل هذه الأمور سيفتح ذلك الباب لتحقيق المزيد من التقدم”، مبيناً أن مصر قدمت للجانب التركي تقييمها ومتطلباتها و”أعتقد أن الجانب التركي يفهم ذلك بشكل جيد، ويمكنه إنجاز هذه الأمور، ونأمل أن يفعلوا ذلك حتى يتسنى لنا المضي قدماً”.

وقال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، في مقابلة مع وكالة “بلومبيرغ” نشرت أمس الأول، إنه يمكن استئناف العلاقات الدبلوماسية مع تركيا هذا العام إذا تم حل القضايا العالقة، مشيراً إلى أن القضية الرئيسية لمصر تظل في تورط تركيا في ليبيا. واعتبر أنه “لا ينبغي لأي دولة أخرى أن تتدخل في ليبيا، أو تحاول التأثير على صنع القرار هناك، ونود أن نترك الليبيين يقررون مستقبلهم”. وحول الحوار المصري التركي، الذي استقبلت أنقرة الجولة الثانية منه أخيراً، قال مدبولي إن “هناك الكثير من التحركات التي حدثت في الأشهر القليلة الماضية، لكن لا تزال هناك أيضاً بعض القضايا العالقة”.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً