"مفاتيح مُكسَّرة": خللُ اشتغالٍ وتفكير

 


يطرح “مفاتيح مُكسَّرة” (2020)، للّبناني جيمي كيروز، تساؤلات سينمائية عدّة: الجهة الإنتاجية. اختيار ممثلين/ممثلات من بلدٍ عربيّ لتأدية أدوار/شخصيات منتمية إلى بلدٍ عربي آخر. التطرّق إلى مواضيع حسّاسة، بما فيها من سياسة واجتماع وثقافة وسلوك وتربية، من دون بلوغ حدٍّ مطلوب من الاشتغال السينمائي. اختيار مهرجان دولي، مُصنَّف فئة أولى، لأفلامٍ باهتة بصرياً وفنياً ودرامياً، فتكون الحجّة، غالباً، أنّ الموضوع مهمّ، وأنّ الغربَ السينمائيّ معنيٌّ بمواضيع كهذه، وأنّ اختياراته، غالباً، “ردٌّ” على غلبة المصالح، السياسية والاقتصادية والمالية، الخاصّة بقيادات دول غربية، يُفترض بها (الدول) أنْ تكون فاعلة ومؤثّرة.


تساؤلات كهذه تنبثق من مُشاهدة “مفاتيح مُكسَّرة”، في عرض تجاريّ لبناني حاليّ، بعد أشهرٍ طويلة على اختيار دولي أول له، في فئة “أفلام أولى”، في الدورة الـ73 لمهرجان “كانّ”السينمائي، المُحدَّد موعدها بين 12 و23 مايو/أيار 2020، قبل إلغائها بسبب تفشّي وباء كورونا، ثم إقامة نسخة مُصغَّرة منها، بين 27 و29 أكتوبر/تشرين الأول 2020. أهمية الفيلم الأول لكيروز، خرّيج “معهد الدراسات المسرحية والسمعية البصرية” في “جامعة القدّيس يوسف” في بيروت (2010)، كامنةٌ في اختياره موضوعاً حسّاساً، يجمع بين سطوة تنظيم “داعش” على الحياة اليومية، بتفاصيلها المختلفة، ومحاولة أناسٍ عديدين مواجهة هذا الاحتلال بأنماطٍ شتّى، يغلب عليها الاستسلام من أجل عيشٍ أقلّ من عاديّ، بانتظار خلاصٍ، يتمثّل (الانتظار) بهروبٍ ونجاة، أو بتوقّع حدوث معجزةٍ، تُنهي التنظيم واحتلاله. انطلاقاً من تيمة الموسيقى، وأهميّتها في مواجهة العنف والإرهاب.


الموسيقيّ كريم (طارق يعقوب) يُمنع من العزف على البيانو، لأنّ الموسيقى حرامٌ في عُرف “داعش”. رغم هذا، يعزف عليه في قبوٍ، يُقيم فيه أناسٌ مختلفو الأمزجة والآلام والأمنيات والحاجات، بما يُزيل عن القبو صفة مخبأ، فهؤلاء يخرجون إلى العلن (مدينة عراقية أو سورية) لشراء حاجات يومية، ويلتقون عناصر من التنظيم، ويواجهون مصاعب الحياة، وبعضهم يعقد صفقات إمّا لبيع ما لديه من أشياء غير نافعة له في ظرفٍ كهذا، لقاء مبلغ ضئيل من المال، وإمّا لترتيب هروبٍ وهجرة من أجل خلاصٍ مطلوب. عبدالله (جوليان فرحات)، أحد مسؤولي التنظيم في المدينة، يكتشف البيانو فيُحطّمه. هذا يستدعي من كريم رحلةً إلى مدينة أخرى، خاضعة بدورها لحربٍ وخرابٍ وموتٍ، ستكون (الرحلة) محفوفة بالخطر، للحصول على قِطعٍ ضرورية لإصلاحه، موجودة عند مسيحيٍّ (بديع أبو شقرا)، بغية بيعه لقاء مبلغ من المال يُسهِّل له الخروج من مدينته.


المُقيمون في القبو متعدّدو الأمزجة والرغبات. بعضهم يريد كفاحاً مُسلّحاً (عادل كرم)، وآخرون يجعلون الضحك والنكات أسلوب عيشٍ يومي (منير معاصري). شابّة تريد خروجاً، هي أيضاً، لإكمال دراسة جامعية (سارة أبي كنعان). في المدينة الأخرى، يلتقي كريم مُقاتلة، يبدو أنّها كردية (رلى بُقسماطي)، فيُساعدها على الخروج من المدينة، للّحاق بزميلاتها. هذه نماذج مستلّة من وفرة الشخصيات في القبو، وخارجه. شخصيات كثيرة، يؤدّيها ممثلون/ممثلات لبنانيون، يجهدون في نُطق جملٍ بلهجات عراقية/سورية (؟)، فيُثيرون سخريةً إزاء سذاجة ما يفعلون.


إنْ يكمن التساؤل الأبرز، هنا، في سبب اختيار لبنانيين/لبنانيات لتأدية أدوارٍ غير لبنانية، من دون تدريبٍ يُنتج فعلاً درامياً متماسكاً ومُقنعاً، نُطقاً وأداءً يخلوان من تصنّع أو بهتانٍ؛ فإنّ التساؤل الآخر منبثقٌ من كثرة هؤلاء الناس، ومعظمهم غير مُفيد درامياً، إذْ يعبر قليلاً، أو أكثر بقليل، أمام كاميرا (جو سعادة)، تمتلك حدّاً أدنى من حِرفيةٍ ما في التقاط لحظات وحالات، ومن مِهنيّةٍ ما تنعكس، قليلاً، في ملاحقة راكضين في أزقّة مليئة بالأنقاض.


اختيار ممثلين/ممثلات من بلدٍ عربيّ لتأدية أدوار/شخصيات منتمية إلى بلدٍ عربيّ آخر مطلوبٌ بشدّة، في إطار أهمية تفعيل العلاقات العربية العربية، سينمائياً. الإنتاج العربي المشترك يتبلور، عاماً تلو آخر، رغم مُشاركة ـ أساسية أحياناً ـ للإنتاج الغربي. التعاون مع ممثلين/ممثلات وعاملين/عاملات في مهن سينمائية مختلفة من بلدٍ عربي، للعمل في فيلمٍ مُنتج باسم بلدٍ عربيّ آخر، مطلبٌ مُلحّ، فالكفاءات العربية موجودة، في المجالات كلّها تقريباً. والاختيار ينبع، غالباً، من حساسية مخرج/مخرجة ورؤيته/ها السينمائية، وموقع الآخر (ممثل/ممثلة، مهنيّ/مهنيّة) في مشروعه. لكنّ تعاوناً كهذا، في التمثيل أساساً، غير نافعٍ، طالما أنّ اللغة واللهجات عائقٌ أمام تأدية أدوار/شخصيات واقعية، كما يوحي هذا الفيلم أو ذاك، وإنْ يرى البعض أنّ أمراً كهذا غير مُهمّ كثيراً، وأنّ الغربَ مثلاً غير مُدركٍ عائقاً كهذا.


 




 


العجز عن نطقٍ سليمٍ للهجةٍ أو لكنةٍ عربية تنكشف، أكثر، في فيلمٍ غير مستوفٍ شروط الاشتغال السينمائيّ. العجز عائقٌ فعليّ أمام مُشاهد عربيّ، يزداد (العائق) حدّة مع بروز تصنّع أو خللٍ في أداء أدوار/شخصياتٍ عدّة، في فيلمٍ واحد. التعاون مع ممثل/ممثلة من بلدٍ، في فيلمٍ ينتمي إلى بلدٍ آخر، رائجٌ في السينما الغربية، المتحرّرة من ثقل اللغة واللهجات، إلى حدّ كبير، لأنّ الإنكليزية ناجحةٌ، منذ سنين مديدة، في فرض حضورها السينمائيّ، إلى حدّ أنّ جميع المشاهدين يقتنعون بأنّ ممثلاً إنكليزياً أو أميركياً قادرٌ على إقناعهم بأنّه هتلر أو المسيح أو ستالين أو الإسكندر المقدونيّ، رغم نطقه الإنكليزية/الأميركية، بفضل براعةِ تمثيل، وحِرفيةِ اشتغالات سينمائية. التعاون حاصلٌ بسبب نجومية ممثل/ممثلة، تأتي غالباً في مرتبةٍ لاحقة على براعةٍ وحِرفيةٍ تمثيليتين.


“مفاتيح مُكسَّرة” مثلٌ عربيّ جديد عن فشل تلك التجربة. منحُ لبنانيين/لبنانيات، بعضهم معروفٌ في دول عربية أخرى، بدرجةٍ أو بأخرى، شخصياتٍ عراقية/سورية (؟) متنوّعة الانتماءات، فاشلٌ في مستوياتٍ عدّة: تمثيلٌ إمّا عاديٌّ للغاية، أو متصنّعٌ وغير متماسك في إزالة الحدّ الفاصل بين شخص الممثل ودور الشخصية. غياب وعي معرفي بـ“داعش”، وبتصرّفات عناصره وسلوكهم، باستثناء المُشاهَد والمعروف عنهم إعلامياً. إطالة مدّة أحداث الفيلم (110 دقائق)، من دون إشباع درامي ـ جمالي ـ فني لنصٍّ، يُمكن اختصار ترجمته البصرية إلى نصف هذه المدّة، على الأقلّ. تمرير مسائل كثيرة، كلّ واحدة منها تصلح لأكثر من فيلمٍ، بتسرّع وعدم إدراكٍ مُعمَّق لها ولتفاصيلها. إلخ.


رغم هذا، يتمّ اختيار رسمي لـ”مفاتيح مُكسَّرة” في مهرجانٍ دولي، يُعتَبر الأول. مهرجانات كهذه ترتكب أخطاءً، بين حينٍ وآخر، لدوافع لن تكون كلّها عفوية وبريئة. تماماً كالدوافع، التي لن تكون كلّها عفوية وبريئة، المؤدّية إلى تولّي مصرفيّ لبنانيّ، يُدعى أنطون صحناوي، إنتاجَ الفيلم، في لحظةٍ لبنانية تشهد تأذّي لبنانيين ولبنانيات كثيرين بسبب المصارف، الناهبة أموالهم بوقاحة. هذا يُنبِّه إليه عاملون/عاملات في السينما اللبنانية، من دون أنْ يتغاضوا عن أعطاب الفيلم ومشاكله، الفنية والدرامية. لكنّ خلوَّ الفيلم نفسه من أعطابٍ، إنْ يحدث هذا، لن يمنع هؤلاء من طرح سؤال الجهة الإنتاجية، في لحظةٍ تشهد أكبر منهبةٍ مالية تحصل في البلد.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً