مفكرة المترجم: مع الزهرة رميج

تقف هذه الزاوية مع مترجمين عرب في مشاغلهم الترجمية وأحوال الترجمة إلى العربية اليوم. “أهم مبادئي هي حبّي للعمل الذي أترجمُه واقتناعي به جمالياً وفكرياً. لا يمكنني أبداً أن أترجم عملاً تحت الطلب أو لهدف مادي صرف”، تقول المترجمة والكاتبة المغربية.



■ كيف بدأت حكايتك مع الترجمة؟

– بدأتُ بترجمتي لفصول من كتاب “الحياة اليومية في الجزائر” لرشيد بوجدرة في إطار بحث التخرُّج من الجامعة تحت إشراف أستاذي الدكتور حسن لمنيعي؛ فقد أشاد بترجمتي، واقترح عليَّ ترجمة روايات الكاتب الجزائري محمد ديب. ثقة أستاذي بقدرتي على الترجمة كانت – بلا شك – البذرةَ التي ظلّت كامنةً في أعماقي، وجعلتني أهوى الترجمة وأمارسَها بشتّى الطرق، قبل أن أُخرجها إلى العلن مع ترجمتي لمسرحية “تمارين في التسامح” لعبد اللطيف اللعبي، والتي حصلت على جائزة الترجمة في “مهرجان المسرح المدرسي”، وأُعجب بها الكاتب، فطلب منّي ترجمة مسرحية أُخرى له. هذا التلقّي الحسن شجّعني على الاستمرار في ممارسة الترجمة.



■ ما هي آخر الترجمات التي نشرتِها، وماذا تترجمين الآن؟

– آخر ترجماتي كتابان هما: “ألبير كامو.. ثيمات ودراسات” للكاتب الفرنسي فرانك إيفرار، و”حكايات الحرب” للكاتب الياباني أكييوكي نوزاكا. صدر العملان عن “دار النايا للنشر والتوزيع” في سورية سنة 2014. وهذه السنة، صدر لي كتاب “من روائع الأدب الصيني” عن “دار فضاءات” في الأردن، وهي قصصٌ سبق نشرها في تونس في دار صغيرة تحت عنوان “نهر سيشوان”، لكنها للأسف لم تُوزَّع لا مغربياً ولا عربياً. وحالياً، عندي مجموعة قصص أفريقية نُشر بعضها في مجلّات عربية، وأُفكّر في إصدارها مستقبلاً كمختارات من القصّة الأفريقية.


النظر إلى المترجِم كناقل لا كمبدع يُفقده قيمته الاعتبارية



■ ما هي، برأيك، أبرزُ العقبات في وجه المترجم العربي؟ 

– أبرز العقبات هي العشوائيةُ وعدم تبنّي الدولة لمشروع الترجمة في مختلف المجالات؛ فالمترجم العربي غالباً ما يعتمد على مبادرته الفردية، ويعاني من مشكل نشر ترجماته، ومشكل التواصل مع المترجَم لهم والحصول على موافقتهم. وقد عشتُ هذه التجربة مع ترجمتي للقصص الصينية ولكتاب “حكايات الحرب”؛ إذ حاولتُ الاتصال بالكتّاب دون جدوى. وقد تجد الترجمة التي يقوم بها الكاتب من تلقاء نفسه ووفق هواه من يقدّرها وقد لا تجده. كما أنَّ المترجم يُعتَبر في أعين الكثيرين مجرّد ناقل لأعمال الآخرين، لا مبدعاً، وهو ما يُفقده قيمته الاعتبارية، وهذا ما تتبنّاه حتى بعض دور النشر التي لا تُثبت اسمه على غلاف الكتاب المترجَم، إن لم تُسقطه من الكتاب أصلاً.



■ هناك قول بأن المترجم العربي لا يعترف بدور المحرِّر، هل ثمة من يحرّر ترجماتك بعد الانتهاء منها؟

– شخصياً، أتحمّل المسؤولية الكاملة لترجمتي، ومن ثَمّ، لا يمكنني القبول بإعادة تحرير ما ترجمتُه، لأنّني لا أعتمد على المترجِم الآلي، وإنما أُترجم بعد قراءتي الكتاب واستيعابي لمضامينه. وبما أنني مبدعة وأُترجم أعمالاً إبداعية، فإنني أحاول قدر المستطاع عدم خيانة النص وأسعى إلى الحفاظ على جوهره وحتى أسلوبه، من خلال البحث عن معادلات في اللغة العربية تكون أقرب إلى التعبير عمّا يرد في اللغة الأصلية. هذا من حيث المبدأ فقط، لأنّني لم أتعرّض لهذا الموقف. فكل ترجماتي تم اعتمادها كما هي دون تدخُّل من دور النشر.



■ كيف هي علاقتك مع الناشر، ولا سيما في مسألة اختيار العناوين المترجمة؟

– إذا كان القصد عناوين الكتب المقترَح ترجمتها، فانطلاقاً من تجربتي مع “المركز الثقافي العربي” الذي أصدر معظم ترجماتي، كانت العلاقة مبنية على التفاهم والحوار. كان يقترح عليّ مجموعة من العناوين، فأختار منها ما يتوافق وذوقي الخاص وقناعاتي الفكرية. كما أنه كان يحترم عناوين الكتب المترجمة كما هي، عدا كتاباً واحداً غيّر عنوانه الأصلي لاعتبارات تخص الدار.



■ هل هناك اعتبارات سياسية لاختيارك للأعمال التي تترجمينها، وإلى أي درجة تتوقفين عند الطرح السياسي للمادة المترجمة أو لمواقف الكاتب السياسية؟

– ما عدا مسرحيتَي عبد اللطيف اللعبي الذي كنت أعرف مسبقاً انتماءه إلى اليسار، فإنَّ بقية الأعمال التي ترجمتُها لم تكن بناءً على معرفة مسبقة بأصحابها واتجاهاتهم السياسية، وإنما بناءً على ما تتضمّنه تلك الأعمال من أفكار وما تتناوله من قضايا تتوافق وأفكاري وقناعاتي ومفهومي للكتابة باعتبارها تجسيداً لموقف الكاتب ممّا يجري في مجتمعه، وإعلاءً للقيم الإنسانية العليا. ولكن ممّا لا شك فيه، أمتنع عن الترجمة لكاتب لا تتوافق كتابته ومواقفه مع قناعاتي وليس بالضرورة مواقفه السياسية، إذ يمكن أن نختلف سياسياً ولكن يجمعنا نفس الهدف. ما لا يمكنني تقبّله هو تعارض مواقفه كلية مع مبادئي ومواقفي.


لا أُترجم لكاتب لا تتوافق كتابته ومواقفه مع قناعاتي



■ كيف هي علاقتك مع الكاتب الذي تترجمين له؟

– لم يكن بالإمكان التواصل مع الكُتّاب الآسيويين الذين ترجمتُ لهم رغم بعض المحاولات. أمّا عن الكُتّاب المغاربة، فقد كانت علاقتي بالكاتب عبد اللطيف اللعبي أهمّ علاقة، نظراً للتواصل الدائم بيننا خلال ترجمتي لمسرحيته الثانية “قاضي الظل”، ولمواكبته لترجمتي، وللنقاشات التي كانت تدور حولها، ما جعل من الترجمة فعلاً عملاً إبداعياً مشتركاً. ولذلك، أعتبر هذه العلاقة نموذجاً للعلاقة التي ينبغي أن تربط بين المترجم والكاتب، وإن كان من الصعب تحقيقُها في غياب إتقان كلّ من المترجِم والمترجَم له اللغتين معاً: لغة المصدر ولغة الهدف.



■ كثيراً ما يكون المترجم العربي كاتباً، صاحب إنتاج أو صاحب أسلوب في ترجمته، كيف هي العلاقة بين الكاتب والمترجم في داخلك؟

– من خلال تجربتي، يمكنني القول بأن العلاقة بين الكاتب والمترجم علاقة متكاملة، ومفيدة لكلّ منهما؛ فالكاتب لا شك يتأثّر بالخبرة التي يكتسبها المترجِم من ترجماته المتنوّعة التي تغني رصيده المعرفي واللغوي والأسلوبي، وتنعكس على طريقته في الكتابة، كما أن المترجِم يستفيد من الكاتب ومن طريقة كتابته وأسلوبه الخاص في الكتابة الإبداعية، وهو ما يرتقي بفعل الترجمة إلى مستوى الإبداع الخلّاق.



■ كيف تنظرين إلى جوائز الترجمة العربية على قلّتها؟

– لا أهتم كثيراً بالجوائز، لأنّني أترجم بدافع الحب والرغبة في إشراك القارئ في متعة قراءة الكتب التي أستمتع بها وتعجبني أفكارها وطرق تناولها أو تبهرني عوالمها الغريبة والمختلفة عن ثقافتنا العربية، كما هو الحال مع القصص الصينية واليابانية والأفريقية التي ترجمتُها. هذا من جهة، ومن جهة أُخرى لأنَّ الجوائز لها شروطها ومعاييرها التي لا أحد يعرفها سواها. وأنا شخصياً، لم يسبق لي أن قدّمتُ أي عمل من ترجماتي للجوائز.



■ ما هي المبادئ أو القواعد التي تسير وفقها كمترجمة، وهل لك عادات معينة في الترجمة؟

– أهم المبادئ هي حبّي للعمل الذي أترجمه واقتناعي به جمالياً وفكرياً؛ إذ لا يمكنني أبداً أن أترجم عملاً تحت الطلب أو لهدف مادي صرف؛ فقد مارستُ الترجمةَ الأدبية عن حب وإيمان بدورها في الارتقاء بالمجتمعات وتطوُّر الحضارات. وتخلّيت مِن أجلها عن تجربة عشر سنوات من الترجمة في القطاع الخاص وبمقابل مادي مغرٍ جدّاً. ومن العادات التي أتبعها قراءة العمل مرّةً أو مرّتين قبل الترجمة، وعدم الاستعانة بالمترجم الآلي وإنما بالمعاجم. وعندما أنتهي من الترجمة، أبتعد عنها ما يكفي من الوقت لنسيان العمل المترجَم، قبل العودة إلى قراءتها مرّةً وأكثر، إلى أن أشعر بأنّ أسلوب النص لا توجد به أي مؤشّرات تدل على أنه مترجَم.  



■ كتاب أو نص ندمتِ على ترجمته ولماذا؟

– كلُّ الكتب التي ترجمتُها كانت من اختياري، وكان مضمونُها متوافقاً مع أفكاري وقناعاتي.



■ ما الذي تتمنّينه للترجمة إلى اللغة العربية، وما هو حلمك كمترجمة؟

– أتمنّى للترجمة إلى اللغة العربية أن تشمل كل العلوم والآداب العالمية، وذلك لا يتأتّى إلّا في إطار مؤسّسات رسمية تهتم بالترجمة، ولا يتحقّق إلّا إذا أصبحت الثقافة عموماً من أولويات البلدان العربية إذا ما أرادت فعلاً الخروج ممّا تعانيه مجتمعاتنا من جمود فكري وتطرُّف ديني وصراع طائفي، ومواكبة التطوّر السريع الذي فرضته العولمة بعدما أصبح العالم قريةً صغيرة؛ فالترجمة كانت دائماً – وستظلّ – أساس نهضة الشعوب. لذلك أحلم أن يكون في كل بلد عربي “بيت الحكمة” يتفرّغ فيه المترجمون لترجمة كل ما أنجزه الغرب من علوم وآداب، لبناء مجتمعات عربية على أُسُس صحيحة تضمن للعالم العربي انطلاقة حضارية جديدة.



بطاقة 

كاتبة ومترجمة مغربية من مواليد الخريبكة عام 1950. مِن ترجماتها: مسرحيّتا “تمارين في التسامح” و”قاضي الظل” لعبد اللطيف اللعبي، ورواية “امرأة ليس إلّا” لباهية طرابلسي. ومن مؤلّفاتها: “أخاديد الأسوار” (2007)، و”عزوزة” (2010)، و”الناجون” (2012)، و”قاعة الانتظار” (2019) في الرواية، و”أنين الماء” (2003)، “نجمة الصباح” (2006)، و”الشبرق” (2014) في القصة، ولها كتابات في الشعر والسيرة الذاتية والنقد. 




 




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً