مفكّرة المترجم: مع وليد أحمد الفرشيشي

تقف هذه الزاوية مع مترجمين عرب في مشاغلهم الترجمية وأحوال الترجمة إلى اللغة العربية اليوم. “لا أندم على ترجمة كما لا يندم إنسانٌ على إنجابِ طفلٍ يعزّزُ دهشة العالم ويثير فضوله”، يقول المترجم التونسي في حديثه إلى “العربي الجديد”.



■ كيف بدأت حكايتك مع الترجمة؟


– ما الذي يدفعُ صحافيّاً، شاعراً وقاصّاً، إلى تحويل مساره ليكرّس وقته للترجمة، بل ويتّخذها مهنة؟ طُرح عليّ هذا السؤال كثيراً، ومع ذلك، أحاول دوماً أن أبرّر المسألة بحاجتي إلى عين ثالثة، عين تسعى إلى رؤية العالم من خارج منطق الشرط البشري، وتحقيق الذات خارج القوالب والتصنيفات الجاهزة. الحقّ أنّي متحيّزٌ ذوقيّاً إلى الترجمة، لأنّها تشبعُ فضولي المعرفيّ، فضلاً عن أنها رافد مهمّ يغذّي أعمالي الشخصية، شعراً وسرداً.



■ ما آخر الترجمات التي نشرتها، وماذا تترجم الآن؟


– أنجزتُ مؤخّراً ثلاث ترجمات لروايات من الأدبين الفرنسيّ والإيطاليّ، وهي جاهزة للنشر. وآخر ما نُشر من ترجماتي كتابان هما: “القرآن تحت مجهر التحليل النفسي” للباحثة التونسية ألفة يوسف، وهو العمل الوحيد الذي نشَرتهُ باللغة الفرنسيّة، و”أفيون الحمقى: بحث في المسألة المؤامراتية” لـ رودي رايشتطادت. وحالياً أنا منكبٌّ على وضع اللمسات الأخيرة على عملين أشتغلُ عليهما في الآن نفسه، هما “الظلال التائهة” لـ باسكال كينيار، و”محامية وقحة” لـ جيزال حليمي.



■ ما هي، برأيك، أبرز العقبات في وجه المترجم العربي؟


– صحيح أننا نعيشُ “صحوة” في حقل الترجمة، إن جاز لي استخدام مصطلحٍ كهذا، ومع ذلك ثمّة حقيقة تقول إنّ كلّ جهود الترجمة تظلّ مشاريع شخصية لناشرين ومترجمين، في غياب مؤسسات عربية كبرى تهتمّ بهذا القطاع الحيوي. ما يثيرُ حيرتي أيضاً هو إمعان المتدخّلين في هذه الصناعة على تغييب دور المترجم، وكأنّنا أمام حالة خوفٍ مرضيّ من فكرة صناعة نجومٍ في هذا المجال تحديداً. هنا أتحدّث من منطلق عامّ، ذلك أنني أعدّ نفسي محظوظاً لتعاملي مع دور تحترمُ المترجم مثل “مسكلياني” و”صفحة 7″ و”المتوسط” و”ورد” و”الدار التونسية للكتاب”.


يحتاج المترجم إلى خلفيته الثقافية وإلى موهبته ككاتب



■ هناك قول بأنّ المترجم العربي لا يعترف بدور المحرِّر، هل ثمة من يحرّر ترجماتك بعد الانتهاء منها؟


– دعني أستحضر هنا فكرة الشاعر والناشر شوقي العنيزي، مدير “دار مسكلياني”، الذي بدأتُ التعامل معه عام 2017 من خلال ترجمة “الشمعدان المفقود”، للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ، إذ يقول: “يد المترجم الأولى وحدها لا تكفي، ومن ثمّة تتدخل يده الثانية، لتوطين النص وإعطائه هويّة جديدة هي هويّة اللغة التي نقل إليها”. وبالفعل أرى أن الترجمة برمّتها هي كتابة على الكتابة، حذفاً وتشذيباً وتجميلاً، وهنا يظهر تمكّن المترجم من أسرار اللغتين. غير أن هذا الأمر لا يكفي، ذلك أن المترجم نفسه يحتاج إلى عينٍ ثالثة، دائماً وأبداً، عين يتحوّز عليها المدّقق اللغوي في مرحلة أولى والمحرّر في مرحلة لاحقة لضمان جودة النص النهائي. وبالمحصّلة، فإن الترجمة هي عمل إبداعي جماعي، لكنّه يلتزم بضوابط صارمة، ومنهجيات عمل في منتهى الدقة والتنظيم.



■ كيف علاقتك مع الناشر، ولا سيما في مسألة اختيار العناوين المترجمة؟


– من الطبيعي ألّا يتناول المترجم الشغوف كتاباً لا يرغب في قراءته هو نفسه، إلّا إذا كان موظفاً يجري تكليفه من إحدى المؤسسات المتخصّصة. وأنا لستُ كذلك، ذلك أني أتعمّد الترجمة، وأذهب إليها طواعية، وعن سابق إصرار وترصّد، في لغة مزاوجة ومقاربة بين ما أحبّ كتابته من جهة، وما يروق لي قراءته بصوت عال من جهة ثانية. وسواء كنتُ أنا من اختار العمل أو تلقيتُ عرضاً من الناشر، فإني أرى العملية برمّتها كشكل من أشكال تقدير الكاتب لكاتب آخر أو فلنسمه نوعاً من أنواع “الزمالة الأدبية” غير المعلنة.



■ هل هناك اعتبارات سياسية لاختيارك الأعمال التي تترجمها، وإلى أيّ درجة تتوقف عند الطرح السياسي للمادة المترجمة أو لمواقف الكاتب السياسية؟


– عندما أدخلُ إلى مكتبي وأجلسُ إليه لترجمة أثرٍ ما، أتركُ انتمائي السياسي خارجاً. ما يعنيني هو جودة المضمون وقدرته على تقديم الإضافة إلى القارئ العربي.


كلّ جهود الترجمة تظلّ مشاريع شخصية لناشرين ومترجمين



■ كيف علاقتك مع الكاتب الذي تترجم له؟


– أنا أدخل النص الأصلي من بوابة الكاتب، بمعنى أنّه يتعيّنُ عليّ أوّلاً الإلمامُ بسيرة مؤلّف العمل وأعماله السابقة والاطلاع على ما ترجم منها. وهذا ما أسميه بالدخول إلى مطبخ صاحب العمل، أي أني أعيش حالة الكاتب كما لو كنتُ صاحب النص الأصلي وأهتم بالتفاصيل الدقيقة، ما يمكّنني من استيعاب تفاصيل العمل المترجم والتمكن من مفاتيحه الكبرى. وعلاوة على ذلك، يجب أن يعي المترجم أن الرواية المترجمة لا يمكن بأي حال أن تكون هي العمل الأصلي، فعملية الترجمة نفسها لا تدّعي الكمال أو الإلمام بكلّ الجزئيّات والدلالات والمعاني والصور وغيرها، ومن ثمَّ فإن من المهمّ أن يذيّل المترجم ترجمته بالهوامش متى استدعت الحاجة ذلك.


علينا أن نفهم أنّ عالم الترجمة ليس اعتباطياً، ولا يخضع للمزاج الشخصي من قبيل “حرية التصرّف”، بل هو نسق شديد الدقة والتنظيم، يتطلّب احترام جميع مراحل العملية في إطارها التخصّصي مثل أي عملية طهي احترافية. ومن ثَمّ لا يعدُّ الانتهاء من ترجمة نص ما، نهاية العمليّة، فالخروج من مطبخ المؤلف يستدعي ضرورة المرور على غرفة معيشة المترجم العالم بأسرار اللغة المترجم إليها.



■ كثيراً ما يكون المترجم العربي كاتباً، صاحب إنتاج أو صاحب أسلوب في ترجمته، كيف العلاقة بين الكاتب والمترجم في داخلك؟


– من المهم أن يكون المترجم كاتباً مبدعاً في الأصل، يفسح المجال لخلفيته الثقافية والإبداعية كي تظهر بصمته على العمل المترجم.



■ كيف تنظر إلى جوائز الترجمة العربية على قلّتها؟


– جوائز الترجمة قليلة جداً. والحقّ إنّي أرى الأمر محيّراً. في تونس، لدينا “جائزة الصادق مازيغ للترجمة”، وهي جائزة قيّمة يسندها “معرض تونس الدولي” للكتاب سنوياً، وسبق لي أن فزت بها في العام 2019. هذا القطاع يحتاجُ إلى تحفيز وإلى جوائز مرموقة.



■ الترجمة عربياً في الغالب مشاريع مترجمين أفراد، كيف تنظر إلى مشاريع الترجمة المؤسساتية، وما الذي ينقصها برأيك؟


– ينبغي أن تتعدّد المؤسسات التي تُعنى بالترجمة، محليّاً وإقليمياً، وأن تتحوّل من مشاريع أفراد إلى مشاريع حكومات، كتلك التي أنشأتها الكويت. ومع ذلك هذا لا يكفي، لأننا نحتاجُ صحوة عربية حقيقية إن نحن أردنا حقاً الاستلقاء، كعرب، تحت شمس الإنسانية.



■ ما المبادئ أو القواعد التي تسير وفقها كمترجم، وهل لك عادات معيّنة في الترجمة؟


– لا أؤمن بالعادات صراحةً. ما يعنيني هو إنهاء العمل في أفضل الظروف وبمقاييس جودة تخرج العمل في أبهى حلّة. علماً أني صعب المراس مع نفسي ويحدثُ أن أنفق أيّاماً بلياليها من أجل جملةٍ واحدة.



■ كتاب أو نص ندمت على ترجمته ولماذا؟


– لم يحدث لي ذلك، وأتمنّى ألا يحدث هذا الأمر. في الواقع أرى من المستحيل أن يندم إنسانٌ على إنجابِ طفلٍ يعزّزُ دهشة العالم ويثير فضوله. 



■ ما الذي تتمناه للترجمة إلى اللغة العربية، وما حلمك كمترجم؟


– أتمنى أن أترجم بواكير الأعمال الأوروبية في فنّ الرواية أو الكلاسيكيات بلغة معاصرة حديثة، وبي شغف حقيقي إلى ترجمة كتابٍ، سأحتفظ بعنوانه لي في هذه المرحلة، لأنّ العمل ضخمٌ ويستجيب لذائقة القارئ العربي، رغم أنّ أكثر من قرنين ونصف مضيا على صدوره. مثلما أتمنى أن تحوّل الحكومات جزءاً من ميزانيات وزارات ثقافتها إلى هذا القطاع الاستراتيجي.



بطاقة


كاتب وشاعر ومترجم تونسي من مواليد 1980. حصل على ماجستير في علوم الاقتصاد وماجستير في الإعلام، ويعملُ صحافياً. من إصداراته في الترجمة: “اللص” لتوفيق بن بريك، و”مذبح الموتى” لهنري جيمس، و”يرى من خلال الوجوه” لإيريك إيمانويل شميت، و”على قبوركم” لبوريس فيان، و”القرآن تحت مجهر التحليل النفسي” لألفة يوسف، و”على صورته” لجيروم فيراري، و”على قيد الحياة” لكريستيان بوبان، و”أفيون الحمقى” لرودي رايشتطادت. 


ومن إصداراته الشعرية: “وحيداً أصعد إلى السماء” (2013)، و”لم أكن حيا بما يكفي” (2014)، كما صدرت له مجموعتان قصصيتان: “حكايات نيئة” (2016)، و”الرجل الذي…” (2017)، ومؤخراً رواية “كرنفال القرود الثلاثة” عن “دار المتوسط” (2021).






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً