مناورة استقالة ظريف: رابحون وخاسرون

لم تنته تفاعلات “القنبلة” التي فجّرها وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، بإعلان استقالته يوم الإثنين الماضي، فعلى الرغم من أن الرئيس الإيراني حسن روحاني أعلن رفضه لها، وعودة ظريف إلى ممارسة نشاطه الدبلوماسي أمس، من دون أن يعلن رسمياً عن تراجعه عن الاستقالة، لكن هذا الملف لا يزال محور اهتمام بالغ سياسياً وإعلامياً، ليس في الداخل الإيراني فقط، بل إقليمياً وعالمياً أيضاً، مع طرح تساؤلات كبيرة عن الأهداف التي سعى الوزير الإيراني لتحقيقها عبر إعلانه التنحي، خصوصاً أن المؤشرات كلها كانت تدل على أن روحاني لن يقبلها، وبالتالي ماذا استهدف ظريف من مناورته هذه وما الرسائل التي سعى إلى توجيهها للداخل والخارج؟

وأعلن روحاني أمس رفضه الاستقالة بشكل قاطع، في رسالة جوابية بعثها إلى ظريف، قائلاً إن “القبول باستقالتك يتعارض مع مصالح البلاد ولا أوافق عليها”. أما وزير الخارجية، فلم يعلن صراحة تراجعه عن قراره، بل كان رده “غامضاً” عبر حسابه في “إنستغرام” على رفض روحاني، لكنه لم يظهر أي مقاومة أمام روحاني، ما اعتبره بعضهم في إيران مؤشراً على العدول عن استقالته. كما أن ظريف عاد إلى ممارسة مهامه فعلياً، عبر مشاركته في مراسم استقبال رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان، في العاصمة طهران، وتوقيعه على اتفاقيتين مع أرمينيا أمس. كما أجرى ظريف اتصالاً هاتفياً بوزير خارجية النظام السوري وليد المعلم، “جرى خلاله بحث سبل تعزيز العلاقات الاستراتيجية التي تربط البلدين، متابعة لنتائج الزيارة التاريخية التي قام بها بشار الأسد إلى إيران“، بحسب وكالة “سانا” التابعة للنظام، قبل أن تذكر وكالة “إيسنا” الإيرانية مساء أن سفير النظام لدى طهران، عدنان محمود، نقل إلى ظريف دعوة من الأسد لزيارة سورية، علماً أن تسريبات عدة تحدثت عن أن استقالة ظريف جاءت على خلفية استبعاده من لقاءات الأسد في طهران الإثنين.

وفي رسالته “الإنستغرامية” أمس، بدأ ظريف بتوجيه الشكر إلى الشعب والنخب والمسؤولين الإيرانيين على دعمهم، و”خصوصاً خلال الساعات الثلاث الماضية”، من دون أن يشير إلى ما جرى خلال هذه الساعات، إلا أنه على الأغلب يقصد اتصالات مكثفة جرت معه لإقناعه بالعدول عن قرار الاستقالة، مختتماً رسالته بالإعراب عن أمله في أن “تستطيع الخارجية الإيرانية القيام بمسؤولياتها في إطار دستور البلاد وقوانينها بدعم الجميع وتعاونهم، وبقيادة ورعاية قائد الثورة الإسلامية ورئيس الجمهورية”.

وبالنظر إلى “استقالات شفهية سابقة” لوزير الخارجية الإيراني، بحسب تأكيد رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، حشمت الله فلاحت بيشه، لوكالة “إيسنا” الإيرانية، فإن كل التوقعات تشير إلى أن ظريف سيتراجع هذه المرة أيضاً عن استقالته “المكتوبة”، خصوصاً أنها لقيت رفضاً واسعاً من مختلف القوى السياسية، سواء المعارضة للحكومة أو المؤيدة لها.

الأهداف والدوافع
في حال تراجع ظريف رسمياً عن استقالته، يفتح ذلك باب التساؤلات عن أهداف ودوافع قد تقف وراء قرار الاستقالة ثم العدول عنها، خصوصاً إذا كان في حساباته السياسية أن استقالته “العلنية” ستُرفض أيضاً، كما رُفضت سابقاتها “السرية”، بالتالي سيعود إلى منصبه وزيراً للخارجية. ففي هذه الحالة، وإن كان ظريف يتوقع ما حصل لحظة الإعلان عن استقالته، فإنه أراد من خلال ذلك أن يحقق أكثر من هدف.

وبحسب تلميحات ظريف في منشور الاستقالة عبر “إنستغرام” وتصريحاته اللاحقة، كان قراره عبارة عن خطوة احتجاجية على تهميش دور الخارجية الإيرانية والتدخّل في صلاحياتها، بالتالي فإن إنهاء هذا الوضع يأتي على رأس أهدافه ودوافعه، وأراد تسليط الأنظار على ذلك، عبر تقديمه الاستقالة بهذه الطريقة المفاجئة والعلنية، ليحقق بذلك ما عجزت عن تحقيقه استقالاته الخجولة غير المعلنة سابقاً. وعليه، قال ظريف صراحة، الثلاثاء، في تصريح لموقع “آريا” الإيراني إن “استقالتي كانت للدفاع عن موقع ومكانة وزارة الخارجية في العلاقات الخارجية فحسب”، موضحاً أنّه “كان من واجبي كوزير للخارجية أن يكون لي موقف ورد فعل تجاه عدم مراعاة موقع وزارة الخارجية، ما عدا ذلك فإنّ بقية التكهنات وليدة تخيّلات”.
وفي السياق، جاء تأكيد روحاني في رسالته الجوابية أنه أصدر تعليمات إلى كل أجهزة الدولة “للتنسيق التام مع الخارجية في مجال العلاقات الخارجية”، ليقدّم بذلك تطميناً لوزير خارجيته بهذا الشأن.

كما يمكن اعتبار ما قاله قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، الذي حضر لقاءات رئيس النظام السوري بشار الأسد مع روحاني والمرشد الأعلى علي خامنئي في طهران، بمثابة رسالة تطمينية أخرى للوزير، إذ قال سليماني إن ظريف “مسؤول السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية، وكان وما زال يحظى بدعم مسؤوليها رفيعي المستوى، وخصوصاً قائد الثورة الإسلامية”.

فضلاً عن ذلك، ولأن الاستقالة كانت لها أسباب أخرى مرتبطة بالخلافات السياسية الداخلية حول ملفات مهمة في السياسة الخارجية الإيرانية، على رأسها الاتفاق النووي، والبقاء فيه من عدمه، وانضمام إيران إلى مجموعة العمل المالي الدولية “فاتف”، وكذلك طريقة إدارة العلاقات مع الغرب، يمكن النظر إلى الاستقالة أيضاً كورقة ضغط على المعسكر المعارض لحكومة روحاني، للحصول على تنازلات في الملفات الخلافية، خصوصاً أن الجميع، بمن فيهم المحافظون، يدركون أهمية وجود ظريف على رأس وزارة الخارجية في هذا التوقيت الحساس بالنسبة لإيران. وهذا ما عكسه رفض هذا التيار للاستقالة، ومطالبته ظريف بالبقاء في منصبه.

وفي الإطار، قال عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، المحافظ أحمد توكلي، “أعتقد أن الاستقالة يمكن أن تكون أداة للضغط على مؤسسات قانونية، مثل مجمع تشخيص مصلحة النظام، وإن كان هذا هو الهدف فذلك سيئ للغاية”، وذلك في إشارة إلى ضغوط على المجمع لإقرار لائحتي الاتفاقية الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب (CFT) ومعاهدة مكافحة الجرائم المنظمة العابرة للحدود “باليرمو”، لتمكين طهران من الانضمام إلى مجموعة “فاتف” الدولية.
كما قالت الناشطة الإصلاحية إلهه كولايي، إنه “في عالم السياسة كل السيناريوهات واردة، ويمكن التصور أن ظريف يحاول من خلال ذلك توظيف كل القدرات والإمكانيات الداخلية، وإن كان هذا الهدف موجوداً وراء الاستقالة، فيمكن اعتبار ذلك في إطار العمل الدبلوماسي”.

على صعيد آخر، وبالنظر إلى أن الاستقالة جاءت فيما تصاعد التوتر بين إيران وأوروبا، على خلفية تهديدات الأخيرة بفرض عقوبات على طهران إن لم تتفاوض على برنامجها الصاروخي، وتأخرها في التعويض لإيران عن الخسائر الناجمة عن الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، فقد يكون من أهداف الاستقالة أيضاً محاولة الضغط على الأوروبيين وتحذيرهم من “البديل المتشدد” لظريف واحتمال خروج إيران من الاتفاق النووي، وانهياره بشكل كامل، لدفعهم باتجاه القيام بأعمال جادة لتمكين طهران من الحصول على الحد الأدنى من مكاسبها الاقتصادية من الاتفاق النووي، وكذلك التراجع عن لغتهم التصعيدية الأخيرة في التعامل معها.
واللافت في هذا السياق أنه عندما ذاعت إشاعة نيّة ظريف الاستقالة الشهر الماضي، أثناء زيارته الهند، قيل حينها إن السبب هو قرار إيران الانسحاب من الاتفاق النووي، ما يوحي بأن استقالة ظريف قد تحمل تحذيراً للأوروبيين أيضاً بأن إيران باتت قاب قوسين أو أدنى من الانسحاب من الاتفاق النووي.

التداعيات المرتقبة
أيا تكن الأسباب والأهداف من استقالة وزير الخارجية الإيراني، فإن تداعياتها على الصعيدين الداخلي والخارجي، تكتسب أهمية أكثر، سواء عدل ظريف عنها، أو لم يتراجع. فكما أظهرت استقالة ظريف وجود خلافات على إدارة السياسة الخارجية الإيرانية، وأعطت انطباعاً بوجود انقسام داخلي في التعاطي مع الملفات الخارجية، فإن عودة ظريف إلى موقعه، بعد إزالة أهم أسباب استقالته وتحقيق أهدافها، سيجعله والحكومة الرابح الأكبر، فضلاً عن أن ذلك يؤكد نجاح طهران في احتواء الموضوع، كما يعطي قوة دافعة للسياسة الخارجية الإيرانية في مواجهة التحديات الكبيرة التي تواجهها.

وعلى صعيد التداعيات الداخلية أيضاً، قال الأكاديمي الإيراني علي رضا سلطاني، لموقع “خبر أونلاين” الإيراني، إن “آثاراً سياسية واجتماعية واقتصادية كثيرة تترتب على استقالة ظريف، ليست بالضرورة أن تكون سلبية”، مضيفاً أنها قد تمثل تنبيهاً لتغيير مسارات وسياسات في البلاد.
أما في ما يتعلق بتداعيات الاستقالة على السياسة الخارجية الإيرانية، فاعتبر الناشط المحافظ البارز أمير محبيان، أن “أهم تداعيات استقالة ظريف هو تغيير اتجاه سياسات الخارجية الإيرانية”، لافتاً إلى أن “ظريف تحوّل إلى ماركة، وبالموافقة على استقالته ستخرج السياسة الخارجية من أولوية حكومة روحاني”.
وعلى الصعيد الخارجي، ربما تكون علاقات إيران مع أوروبا، هي المتأثرة أولاً باستقالة ظريف حال لم يتراجع عنها، إذ من شأنها أن “تغلق النافذة المواربة للدبلوماسية الأوروبية أمام إيران”، بحسب مدير صحيفة “ستارة صبح”، علي صالح آبادي.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً