من يحسم الانتخابات المحلية في الجزائر: الحزب أم القبيلة؟

تراهن الأحزاب السياسية في الجزائر في كثير من البلدات والولايات على العامل القبلي للفوز بالانتخابات المحلية، المقررة غداً السبت، بسبب استمرار دور القبيلة (العرش) وتأثيرها في حسم نتائجها. وتفرض التعبئة الشعبية للانتخابات المحلية على الأحزاب الجزائرية البحث عن تحالفات داخل القبيلة، وتأخذ بعين الاعتبار عامل التركيبة الاجتماعية للمجتمعات المحلية في الولايات عند تشكيل قوائم المرشحين، وتحرص على تمثيل كل قبيلة بمرشح على الأقل ضمن قوائمها بغض النظر عن علاقة هذا المرشح العضوية والنضالية بالحزب نفسه.


في بلديات ولاية المسيلة، إحدى أهم ولايات وسط الجزائر، ما زال الولاء للعرش هو السائد، وعند كل استحقاق انتخابي يتجنّد كل عرش من أجل دعم مرشحه، سواء في المجلس البلدي أو الولائي، فالولاء للعرش يأتي قبل الحزب. ويقرر العرش من يدعم من المرشحين بغضّ النظر عن الحزب الذي يترشح فيه، ويحرص على الحصول على تمثيل في قلب المجلس البلدي الذي يدير شؤون البلدية، لضمان مصالح الكتلة السكانية، من تقديمات اجتماعية وخدمية.



يزدهر مفهوم القبيلة بشكل كبير في الأرياف بعيداً عن المدن


ويشرح الإعلامي الناشط في ولاية المسيلة أحمد حجاب ظروف تشكّل هذا المشهد الانتخابي الذي تؤدي فيه الأحزاب دوراً ثانوياً، ويقول في حديثٍ مع “العربي الجديد”، إنه “في المناطق الريفية والنائية عن المدن الكبرى، يبرز دور العروشية وتأثيرها الكبير، بل إن عدداً من الأحزاب يقوم باختيار المرشحين على أساس إرضاء كل عرش لاستمالة ناخبيه. ولا يتم ترشيح أكثر من مرشحيَن من عرش واحد، بهدف أن يكون التمثيل متوازناً”. ويضيف أن “هذا التأثير يجد له موقعاً أيضاً في نِسَب التصويت التي تكون عالية في هذه المناطق ويكون الإقبال على الانتخاب أكبر، إذ يحشد كل عرش والعائلات الكبيرة أفرادها لدعم مرشح ما، مقارنة مع مستوى التصويت في الحواضر والمدن الكبرى في ولاية المسيلة، كعاصمة الولاية نفسها، حيث يقل تأثير العامل القبلي”، ويشير إلى أن “عدداً كبيراً من السكان تجاوزوا هذا المنطق في الاختيارات الانتخابية، ولم يعودوا يؤمنون بها لكونهم يعتقدون أنها عامل من العوامل التي ساهمت في التخلف التنموي للبلدات”.


ويُفهم مما سبق أن هناك خطاً عمرانياً يفصل بين مستويات تأثير القبيلة في الانتخابات، إذ يزدهر بشكل أكبر في البلدات الريفية والنائية التي تدفع فيها الظروف السكان إلى التمركز حول العرش، وتتقلص في المدن الكبرى حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية وتتداخل الارتباطات الاجتماعية. وفي بعض المناطق ذات الخصوصية الاجتماعية، كالطوارق في الجنوب، يسود تأثير مؤسسة العقال (مؤسسة عرفية)، وفي مناطق بني يزقن في غرداية (أغلبية أمازيغية تتبع المذهب الإباضي)، حيث ينتقل التأثير القبلي إلى المؤسسة الدينية التي تساهم في توجيه الناخبين بحسب ما يخدم صالح المنطقة. وإذا كان تحكّم القبيلة في عدد من المناطق في الخيارات الانتخابية مفهوماً في العقود السابقة، عندما كانت نسبة الأميين ومحدودي التعليم تشكّل الأغلبية في الكتلة الناخبة، فإن استمرار الأمر على الرغم من التغيير الكبير في تركيبة الكتلة الناخبة التي باتت تتشكل من غالبية من الشباب المتعلمين وحاملي الشهادات، يبقي الوضع محل تساؤل جدي حول أسباب ذلك. وتبرز مسألة كيفية تمكّن القبيلة من الاستمرار في التحكّم في خيارات كتلة شبابية (72 في المائة من الناخبين شباب متعلمون)، يفترض أن تكون مستوياتهم المعرفية وما يتيحه عصر الانفتاح الاتصالي الكبير قد دفعتهم إلى تجاوز العامل القبلي والارتباطات العائلية في الانتخابات.


ينحاز الباحث في العلوم السياسية بجامعة أم البواقي، شرقي الجزائر، عمار سيغة، لجهة أن العروشية مؤثرة بشكل كبير في سيرورة الانتخابات، مبدياً اعتقاده في حديثٍ مع “العربي الجديد”، بأنها “المؤثر الأكبر في الانتخابات بحكم أن المنطقة قائمة على تركيبة مجتمعية عروشية، وما زالت الخلفيات القبلية تؤدي دورها في صناعة المشهد الانتخابي”. ويضيف أن “الطابع المحافظ للأسر والعائلات التي لا يزال فيها الحل والعقد لدى شيخ القبيلة، أو ما يُطلق عليه كبير العرش، هو الفيصل في توجيه الفئة الناخبة، ويتعداها حتى لأخذ البيعة والرضا من كبير العرش أو العائلة للترشح فقط. ومن دون هذه الآليات يبقى المرشح والناخب على حد سواء رهيناً لهذا التقليد”.




ويقدّم سيغة ولايته أم البواقي كنموذج مصغر عن التأثير القبلي، خصوصاً في الانتخابات البلدية، ويوضح أن “تقسيم ولايتنا إلى ناحيتين، غربية، تتوزع فيها عائلات تنتمي لعرش الحراكتة وبعض المكونات الأخرى من أولاد سيدي نايل وأمازيغ من بني ملول، وللعائلات فيها تأثير كبير على العملية الانتخابية، وفي الجهة الشرقية تتوزع فيها أعراش السقنية، وهم أمازيغ وعائلات من العرب يتحدرون من عرش أولاد دراج. لذلك فإن النتائج التي أسفرت عنها مختلف الانتخابات ترتبط بالتوافق داخل كل مكون اجتماعي في كلتا الجهتين. ونتيجة الانتخابات السابقة لسنة 2017 عكست هذا الطرح، وكرستها الانتخابات الأخيرة بظفر الجهة الغربية بخمسة مقاعد من ثمانية مخصصة لأم البواقي، وهي الولاية الرابعة في التقسيم الانتخابي، بسبب تكتل العروش”. ويضيف أن العوامل نفسها ستحكم الانتخابات البلدية غداً السبت، “ففي الوقت الراهن كل المعطيات تؤشر إلى تكريس مقاربة العرش وعامل القبيلة للظفر بالنتائج المريحة من المقاعد في المجالس المحلية في الانتخابات المقبلة”.



طبيعة الانتخابات المحلية هي التي تستدعي الممارسات القبلية


ويعتقد محللون للظاهرة السياسية في الجزائر أن طبيعة الانتخابات المحلية والبلدية بشكل خاص هي التي تستدعي الممارسات العروشية والقبلية والإثنية والتمحور حول العائلة ومرشحيها، من دون أدنى اعتبار للموضوعية أو البرامج الانتخابية. لكنهم في المقابل، يرون أن فشل الأطر الحزبية في تجاوز عقدة العرش وعوامل الانتماء القبلي ساهم في استمرار التأثير القبلي في الانتخابات، إذ لم تستطع الأحزاب تجاوز هذا العامل الاجتماعي ولم تحقق اختراقات كبيرة في هذا المجال، خصوصاً أن غالبية الأحزاب السياسية تفتقد لهياكل محلية نشطة بشكل مستمر، وأغلبها تستفيق خلال المواعيد الانتخابية فقط، وهذا ما يضعها بالأساس محل ابتزاز من قبل العروش التي تفرض خياراتها على الأحزاب، إضافة إلى اعتبارات عدة ترتبط بالبيئة الاجتماعية والسياسية وممارسات السلطة التي كرست تفوق القبيلة على الحزب، وحتى في عهد الحزب الواحد كانت السلطة تخضع للتوازنات القبلية في تشكيل مؤسسات الحكم المحلي.


ويؤكد الأستاذ الباحث في العلوم السياسية بجامعة ورقلة، جنوبي الجزائر، قاسم حجاج، هذا المنحى، ويعتبر أن المسألة مرتبطة بوضع عام وليست منفصلة عن أزمة هيكلية عامة في الساحة الجزائرية تشكلت منذ الاستقلال. ويقول حجاج، في حديثٍ مع “العربي الجديد”، إن “النزعة العرشية والقبلية تنتعش خلال الانتخابات البلدية في البلاد بكاملها، تحديداً في مدن الهضاب العليا والجنوب. والنخب المتهافتة على المناصب في البلديات والولايات تتوسل بالوسيلة التعبوية الأسهل، وهي طريقة التخويف من الآخر العرشي القبلي والعائلي، أي الانتماءات غير الوظيفية، لزيادة تقاسم أو الحصول على المزيد من السلطة والثروة الشحيحتين أصلاً في هذا الظرف التقشفي الانكماشي“. ويضيف أن هذا الوضع “ناتج عن هيكلية تتمثل أولاً بأزمة المواطنة والديمقراطية وأزمة الشرعية السياسية والدستورية، وثانياً بسياق أزمة الاقتصاد الاجتماعي الريعي، الذي يجعل الفرد مرتبطاً بدائرة اجتماعية معينة تحدد مواقفه مقابل الاستفادة من الامتيازات. أما السياق الثالث فمرتبك بنتيجة أزمة البيروقراطية التي تحكمت في مقاليد الأمور بعد الاستقلال (عن فرنسا في عام 1962)، سواء في حقبة الحزب الواحد أو خلال التعددية الصورية، إضافة إلى عامل مهم يتعلق بتفكيك السلطة وإضعافها للأحزاب السياسية ومنعها من أداء دورها، وتغليب كيانات اجتماعية تدين بالولاء المباشر للسلطة على المؤسسة الحزبية”.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً