"مهرجان كارلوفي فاري 55": العائلة الأوروبية ومشاكلها في أفلام سجالية

مشاكل العائلات، ومنها ما يحصل بين الأبناء والآباء والأمهات، والعلاقات المرتبكة والمتوتّرة بينهم، أو تلك التي تبدو ظاهرياً كأنّها خالية من العواطف، تُعدّ أحد أهم المواضيع التي تُناقشها أفلام كثيرة، في الدورة الـ55 (20 ـ 28 أغسطس/ آب 2021) لـ“مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي”. كأنّ مآسي العامين الماضيين، وأبرزها فقدان عائلات كثيرة أحباء لها بسبب كورونا، أوجدت لدى مُعاصري الوباء شعوراً بالخوف، ومزيداً من الوحدة، جعلت البعض يُدرك أنّ العائلة صمّام الأمان الأول والأخير، وأنّها تؤدّي دوراً حيوياً ـ سلباً وإيجاباً ـ في مجتمع اليوم، بالقيم التي تُمثّلها.


يتّضح هذا في “طائر الأطلس” لأولمو أومرزو، و”أبنائي الأعزاء” لجْرِكوش ياروسوك، و”أرض الأبناء” لكلاوديو كوبيلّيني، و”الجذور البرية” لهايني كيش، و”مُطرّز” لبتروس تشارالامبُس، و”مرايا في الظلام” لشيمون هولي، و”برايتون الدور الرابع” للِفان كوغاشفيلي.


تناقش هذه الأفلام، متعددة الجنسيات (تشيكيا وإيطاليا وألمانيا وسلوفاكيا وفرنسا وليتوانيا والمجر وقبرص)، بشكل أو بآخر، قضايا العائلات وخلافاتها واختلافاتها، ومساندة أفرادها بعضهم بعضاً، أو تناحرهم لأسباب مادية. في “طائر الأطلس”، يتعرّض أومرزو الأب (مؤسّس شركة ضخمة ناجحة ومديرها) لمأزق صحي خطر، فتنكشف تحوّلات متفجّرة بين أفراد العائلة، خصوصاً بالنسبة إلى مَنْ سيتولّى الإدارة، وكيف ستوزّع المسؤوليات. يُفتِّت المخرج الأسرة، بخلق مواجهة مع واقع جديد لم يكن أحد مستعدًا له، ويربط بين العلاقات الأسرية المعّقدة وعالم تقنيات الاتصال الحديثة، التي تسعى إلى الاستفادة من نقاط ضعف الإنسان. يحاول الأب عدم التخلّي عن مسؤوليته الإدارية، رغم أنّه صار غير مرغوب فيه. أولاده والمحيطون به لا يسهّلون المهمّة عليه. تدريجياً، تتكشّف جوانب أخرى للحرب النفسية، بأبعادها الاقتصادية والسياسية، فيُسرق 40 مليون دولار أميركي، بهوية مزيّفة لشخصية جندي في أفغانستان. مع ذلك، ليس واضحاً تماماً مَنْ يقف ضد مَنْ، ولا مَنْ منهم سيخرج منتصرًا. بأسلوب شاعري، يؤكّد السيناريو الشعور بالاغتراب في الأسرة الواحدة.


أما “مُطرّز”، فيدور حول شخصية خارا، الشابّة التي تعاني شعوراً غريباً بالذنب، وعلاقتها متوترة دائماً مع والدها وزوجها وابنتها. غير راضية عن دورها كأمّ. تشعر أنّها مُقصّرة، بل ترى نفسها والدة فاشلة، إلى أنْ ترتبط بصداقة مع فتاة مراهقة، ابنة مديرها في العمل. تتورّط في العالم الفوضوي للمُراهقة، فترى فيها نفسها، كأنّها تنظر في مرآة. عندها فقط، يُكشَف أنّ علاقتها بأمها، المتوفاة قبل فترة، لم تكن ناجحة، فخارا غير راضية عنّ أمّها، لذلك انفصلت عنها وكوّنت عائلتها الخاصة. لكنّها ظلّت تحمل في ذاتها الهواجس القديمة، بأنّها أم سيئة بنظر ابنتها. لكنّ النهاية سعيدة: تتصالح خارا مع نفسها.


العائلات ليست دائماً خيطاً رئيسياً في هذه الأفلام. أحياناً، تُذكر بشكلٍ هامشي، قبل الاكتشاف سريعاً قوّة الأثر المترسّب في الأعماق، رغم الهامشية، فالعلاقات المرتبكة بين أبناء وآباء تُشكّل عبئاً نفسياً كبيراً على الشخصيات، رغم نجاحها المهني، كما في “مرايا في الظلام”، المؤلَّف على شكل حوار صريح وجريء جداً بين ماري، الفتاة الثلاثينية، وخطيبها الذي لا يظهر أبداً، إذْ يجلس خلف الكاميرا أو خارج الكادر.


مع تنقّل المخرج هولي بين تفاصيل من حياة ماري، والعودة إلى الحوار نفسه، يُسمع كلامٌ عن علاقتهما بأفراد أسرتيهما. علاقة ماري بأمّها تجعلها تبكي أحياناً، فهما دائما مختلفتان، لا تستطيعان التواصل عبر حوار. حتى عندما تجلسان معاً، هناك كلمات جارحة. تعترف أنّها لم تستطع إدارة العلاقة بشكل ناجح، ويبدو أنّ هذا شكّل جرحاً غائراً، ظلّت عاجزة عن أنّ تجعله يندمل. خطيبها يحكي عن مواقف تجاه والديه، فهل علاقته معهما سببٌ في حزنه الذي طالما فاجأه، وكان يجعله يبكي طويلاً في الحمّام؟


الفيلم الإيطالي “أرض الأبناء” لكوبلّيني يناقش معضلة أسرية وحبّاً مُتنكّراً في رداء القسوة، بأسلوب مليء برموز ودلالات. لكنّه، في الوقت نفسه، واقعيّ جداً: في جزيرة معزولة عن العالم، انقرض شعبها ولم يبقَ إلاّ أب وابنه، علاقتهما مشوبة بالكراهية، يُجاورهما رجلٌ عنيف شرس مسيطر يُدعى أريجينو، وامرأة كفيفة، فيها بقايا جمال شبابي، تزور الأب أحياناً في غياب الابن.


 




 


عقب وفاة الأب، يكتشف الابن مذكراته، لكنّه لا يستطيع قراءتها، فيبدأ البحث عن قارئ. يُرغم المرأة أنْ تفتح له بوابة الجزيرة، لينطلق في رحلته مع العالم المستغلّ للإنسان، فيقع في قبيلة جياعٍ، يقرّر زعيمهم قتله لسدّ رمقهم. لكنّ الحارس المكلّف بالقتل يقرأ المذكرات، التي تتحوّل كلماتها إلى مفتاح خلاص للرجلين معاً، فالأب كتب عشية وفاته: “أشعرُ بحريق في الصدر. أنا غير قادر على الوقوف. ابني لا يعرف شيئاً، ولا أعتقد أنّه ماهر بدرجة كافية. إنّه يخاف مني. يخاف عندما أنظر إليه، وعندما أقف إلى جواره. إنّه لا يحبّني، لكنّه لا يخاف من أريجينو. أراه ينظر إليه بنديّة. أشعر أنّه يُمكن أنْ يقتله. هذا ما كنتُ أريده. ربّيته بطريقه تجعله لا يحبّني، فالحبّ يجعلنا ضعفاء. الآن، حين يعلم بوفاتي، لن يتأثّر. سيكون قادراً على تجاوز موتي. لكنّي أحببته. سآخذ رائحة جلده معي حتى النهاية. كلّ الذكريات التي نسيها سيجدها هنا. تلك المرة التي ضحك فيها عليّ عندما سقطت وأنا أصطاد السمك. كذلك آخر مرة عانقني فيها، عندما كان عمره 4 أعوام فقط. وعندما شاهدنا موت الحصان، رأيت خوفه فاحتضنته. هذه الذكريات أثمن شيء عندي. يا بُنيّ، أخذتُ منّك الحب، لكنّك الآن قوي. هذا سيجعلك لن تُقهَر”.


في “الجذور البرية”، هناك علاقة مرتبكة ومفعمة بشغف طفلةٍ ستُصبح مراهقة قريباً، تبحث عن وسيلة للتقرّب من أبيها العنيف، المتورّط في مشاكل كثيرة بعد خروجه من السجن. الأب تسبّب في وفاة زوجته الشابّة، إثر حادث وقع لهما، إذْ كان يقود السيارة، وتشاجرا بسبب غيرته العمياء. يتورّط في مزيد من المشاكل بسبب عصبيته والخمرة والشعور بالذنب. عندما يُفرج عنه، يزور الجدّة التي تُربّي الطفلة، لكنّها تحذّره من الاقتراب منها. مع ذلك، تصير الطفلة مولعة بأبيها كأنّه بطلها. هنا، تبدأ الدراما القوية. تبحث عنه وتتبعه، وحين يلتقيان، تفتحُ باباً في قلبِه لنفسها لن يستطيع إغلاقه أبداً، ويُكتَشف، للمرّة الأولى، الجانب العاطفي الرقيق في شخصيّته.


غالبية الأفلام تقول، في جوانب منّها، إنّ المشاكل الأسرية تنعكس سلباً على استقبال الأبناء للعالم. لكنّ “أبنائي الأعزاء” يتناول الاغتراب الناجم عن انفصال الأبناء عن ذويهم، بمعالجةٍ شديدة الابتكار والرقّة الموجعة. هناك شاب وفتاة يتصل بهما والدهما، ويدعوهما إلى زيارته، فيلتقون للمرّة الأولى منذ فترة طويلة. بعد تردّد، يخبرهم الأب بهروب الأم، فتبدأ رحلة البحث عنها، التي لا يتحمّس لها.


تدريجياً، يظهر أحد الجيران ليخبرهم بمعلومة عن الأم، تقودهم إلى شخصيات أخرى، فترتسم عنها صورة المرأة المقامرة. كانت تكسب أموالاً كثيرة، وتُقرِض الجيران والمحتاجين، وتحاول إسعاد الناس. هنا، يقول الأب: “كفى. دعونا نتوقّف عن البحث”. لكن ولديه يرفضان، فيظهر وجهٌ آخر قبيح، يعكس ديكتاتورية هذه المرأة وتسلّطها، ورغبتها في التحكّم بأهالي القرية. وعندما فشلت، تركت المكان بحثاً عن آخر تسيطر عليه بالكامل. عندها، يعلن الابن أنّه سيتوقّف عن البحث، كاشفاً عن شقائه واغترابه وتعاسته، بعد أنْ عاش وحيداً، بعيداً عن أسرته. حينها، يُخبرهما الأب بحقيقة موت الأم بعد مرضها، وأنّه لم يكن قادراً على إخبارهما الحقيقة. وعبر لقطات بكاميرا منزلية قديمة، تظهر في خيالات الأبناء لحظات السعادة مع الأم.


أما “برايتون الدور الرابع” للِفان كوغاشفيلي، فيقدّم أنشودة مؤثّرة عن علاقة عاطفية قوية بين أب جورجي وابنه المهاجر، الذي سافر لدراسة الطبّ، لكنّه أدمن القمار، وتراكمت ديون عليه بقيمة 14 ألف دولار أميركي. يأتي الأب، الذي كان رياضياً مشهوراً في بلده، ويكتشف الحقيقة. يحاول حلّ مشكلة ابنه، المتورّط في مشاكل أخرى كثيرة. هناك أيضاً مهاجرون وقضاياهم والمواهب المدفونة هناك. لكنْ، تظلّ القيمة الكبرى لتضحية الأب وإصراره على إنقاذ ابنه، وتفاصيل العلاقة العاطفية القوية بينهما.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً