مهزلة عربية بمهرجان سينما إسرائيلي.. ونادية لطفي ضيفة شرف

ليس مهرجاناً، وإنما مصغره “مهيرجان” من ستة أفلام ينعقد الإثنين المقبل في القدس المحتلة.
لكن موقع ما يسمى “مهرجان سينما الشرق الأوسط”، ومعه صفحة وزارة الخارجية الاحتلال على فيسبوك “إسرائيل تتكلم بالعربية”، روجا للحدث، وضخماه بإعطائه هليمان الشرق الأوسط.
تشارك في المهرجان المخرجات: المغربية مريم بنمبارك، والجزائرية ريحانة، والتونسية منال العبيدي، ولأنه لا بد من محرم سيكون إلى جانبهن المخرج السوداني صهيب جاسم الباري، واللبناني زياد دويري (الذي إذا وضعت اسمه على محرك غوغل، فوراً يخرج لك: زياد وإسرائيل”) ومن بلجيكا الفيلم السوري “في سوريا” لصاحبه فيليب فان ليو، وبطولة الفلسطينية هيام عباس.

هؤلاء جميعاً في خلاط واحد يمثلون الشرق الأوسط، هذا المصطلح الاستعماري الذي اشتقه ضابط أميركي عام 1902، وصار يعني أي شيء مطاطي، ما عدا أن تكون أنت. فوفقاً للمستعمر، أنت بالجملة شرق أوسطي، وبالقطعة، من شمال أفريقيا، أو الشرق الأدنى، أو غرب آسيا، أو أفريقيا.

أي حضور للفعل الثلاثي “عرب” سيذكّر ولو من بعيد بأن القدس عربية محتلة، وبأن هؤلاء ومن شاكلهم، ليسوا سوى شرق أوسطيين، وشرق أدنويين، وغرب آسيويين، وأفارقة، بالقدر الذي يبقي إسرائيل المعرّف الوحيد بين نكرات.

هؤلاء سينمائيون جازت عليهم الكذبة البسيطة التي مفادها: رضا الأميركي من رضا الصهيوني. أيها السياسي: إن أردت كرسياً مزمناً تحكم العباد والبلاد، فيمكنك أن تحج إلى حائط المبكى، كأنك في البيت الأبيض وزيادة.
وأنت أيها الكاتب والسينمائي، إن أردت جائزة أوروبية أو أميركية، أو حتى أن تلتقط صورة مع البوفيه في أي مهرجان، يمكن أن نقترح عليك شؤوناً شرق أوسطية تلعب فيها: ختان إناث، صحراء وإبل، إرهاب، حرملك، فلسطيني مسلم يعشق يهودية. هذا سيشجعنا، ويجعلك مقبولاً أكثر.

وهذه الجوائز جميعها، لها وكيل غربي في المنطقة هو إسرائيل، الذي إذا سميته “العدو الصهيوني” فإنما تكون أشبه بمدرس اللغة العربية في السينما التجارية المصرية. شخص دائماً خارج العصر، غير شرق أوسطي، ولا يمكنه الوصول إلى شمال البحر المتوسط، أولا لأنه لا يتقن السباحة، ثانياً لأن لا أحد سيفهم عليه، إذا وصل (لا سمح الله) جزيرة لامبيدوسا وسألوه: من أنت؟

صفحة “إسرائيل تتكلم بالعربية” التي أطلقتها وزارة الخارجية الإسرائيلية على فيسبوك أعلنت عن مهرجان من ستة أفلامهذا “المهيرجان” بمبادرة من معهد “فان لير” و”سينماتك” القدس، بهدف “تسليط الأضواء على الحضارة والثقافة والناس في الدول العربية والقضايا التي تهمهم، وخلق جسر ثقافي لتوسيع العلاقة بين المجتمع الإسرائيلي والمجتمعات الشرق أوسطية المجاورة”.

نطالع في صفحة المهرجان. هناك أولاً الفيلم المغربي “صوفيا” لمريم بنمبارك، يحكي عن “الأمهات العازبات”، أي ومعاناة الشابات اللواتي يحملن خارج إطار الزوجية. والثاني الفيلم الفرنسي الجزائري “ما زلت أختبئ كي أدخن” للمخرجة ريحانة الذي صور في اليونان، يحكي عن لقاءات النساء في الحمام، والعوالم السرية بما فيها الجنس وكبت المرأة.
بلوز عربي
هناك الفيلم التونسي” بلوز عربي” arab blues أو في تسمية أخرى “أريكة في تونس” لمخرجته منال العبيدي، عن الفصام في المجتمع التونسي. على يوتيوب، لا يركز الفيديو الدعائي للفيلم إلا على مشهد كهل تونسي يسأل عن شخص، ثم يحدس بأنه مسلم، لكن الحسناء تجيبه بعين ناعسة “إنه يهودي”.

هناك سماجة مستهلكة عن علاقة المختلفين دينياً، والثقة المهزوزة في أصالة هذه المعالجات، غالباً لا تحيلك إلا على ناس شطّار، فقط يعرفون من أين تؤكل الكتف.

وهناك الفيلم البلجيكي “في سوريا” أو في التسمية التي يقترحها المهيرجان “سوريا.. قصص وأصوات غير مسموعة” عن عائلة في دمشق عالقة في الحرب.
من السودان
ولدينا أيضاً الفيلم السوداني الوثائقي “الحديث عن الأشجار” الذي يحكي عن سينمائيين من الجيل الرائد، توقفت كاميراتهم عن العمل منذ عقود بسبب الأنظمة الإسلامية.

لا أعرف لماذا لم تناضل السينما السودانية، ونامت نومة أهل الكهف، وحين استيقظت وجدت نفسها في حضن إسرائيل؟ هل الدولة اليهودية (هذا اسمها الرسمي) هي من حرست حلم السوداني صهيب جاسم، وربتت عليه.

وهناك فيلم “القضية 23″، وفي تسمية أخرى “الإهانة” للبناني زياد دويري، وهو الفيلم الذي كان يمكن لدولة الاحتلال الاكتفاء به، وعرضه على مدار ستة أيام، ذلك لأنه لا يمثل وجهة نظر الاحتلال وحسب، بل عرب يحلمون بأرزاق تأتيهم من إهانة عرب فلسطينيين.
لقد وصل دويري إلى محفل هوليوود، واحتضنه المركز الإسرائيلي للأفلام في نيويورك، وصولاً إلى القدس المحتلة، بفضل دعائه بأن يمحو شارون الفلسطينيين عن بكرة أبيهم. المستعمر الصهيوني ليس ساذجاً، ولا دويري. كلاهما يعرف أنه بحرية التعبير يمكن ارتكاب الجريمة الأحلى.
شادي عبد السلام
ولكن ما شأن نادية لطفي؟
الاحتلال الصهيوني يعلن عن حضور فيلم “المومياء” 1969، وهو أحد أبرز المنجزات السينمائية العربية في القرن العشرين.

لكن، ولا شأن للمهنية في ذلك، لم يقل مهرجان الاحتلال إنه فيلم المخرج شادي عبد السلام، بل أكدت صفحة وزارة الخارجية الفيسبوكية الإسرائيلية عن الفيلم، أنه بمشاركة نادية لطفي.

نادية التي رحلت قبل أسبوعين، كان لها حضور صغير بالفيلم في دور “زينة”، غير أن حضورها في الذاكرة الفلسطينية ذو رمزية عالية، مرتبط بموقفها الثابت من القضية، ومن ذلك صمودها مع المقاومة في حصار بيروت عام 1982.

حين يعلن الاحتلال عن مشاركة نادية لطفي المتوفاة، فإنما ليجرح رمزيتها، وليقتص من تاريخها، حتى لو بدا السلوك رقيعاً، مثيراً للضحك.
كرة الجعل
إن داجناً عربياً يخدم سيدين، دولي وإقليمي، لا يمكنه أن يضحك في حضور مهيرجان صهيوني. إنه تحت تأثير كذبة، تكبر لا مثل كرة الثلج، بل كفضلات حشرة الجعل التي تتكور وتحلم، وتحلم وتتكور. لربما لداجن أن يكون ضيفاً ذات يوم على مهرجان أكبر، فيمدّ يده إلى البوفيه دون أن ينهره أحد.

“المومياء”، الفيلم الذي نفخر به، موجود في مكتبة الإسكندرية، في متحف الراحل شادي عبد السلام (1930- 1986)، والمهرجان الإسرائيلي حصل حتماً على موافقة المكتبة لعرضه.
هكذا يمكن بضربة إسكندرية واحدة، إهانة الأموات والأحياء وإثبات شرق أوسطيتك، وإقناع مخرج فرحان بأول أفلامه أن إبادة الشعوب نسبية، والاحتلال أخو الاستقلال، والشاطر بشطارته.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً