"ميترا" لكاوه مُديري: صُنعة تسرد وقائع متخيّلة

في روائيِّه “ميترا” (2021)، يتأمّل كاوه مُديري (1982)، الإيراني الأصل الهولندي الجنسية، اللحظة الملتبسة التي يواجه فيها الضحية جلاّده، مُعيداً صوغها في نصٍ سينمائي، فيه من الأصالة ما يُبعد عنه تناصاً حرفياً مع منجز رومان بولانسكي، “الموت والعذراء” (1994)، المقبس من نصٍ مسرحي بالعنوان نفسه (1991) لآرييل دورفمان، ومُتخيّلاً فيه لحظة مواجهة ضحيةٍ جلاّدها، الذي كان يتلذّذ بتعذيبها في السجن على إيقاعات الرباعية الوترية لشوبرت، “الموت والعذراء”، إبان انقلاب الجنرال التشيلي أوغستو بينوشيه عام 1973.


يكتفي مُديري (كاتب السيناريو أيضاً) بمَشاهد أولى سريعة، تمهّد بذكاءٍ لفهم قصّة هالة (ياسمين طباطبائي)، وموت ابنتها ميترا (دينا ظريف) تعذيباً في سجون طهران. بعد 37 عاماً، تظهر الأم في هولندا، شخصيةً أكاديمية مرموقة، مع أخيها القادم إلى زيارتها من ألمانيا. للاشتغال على نقل المناخ الإيراني، مكاناً وأجواءً، وهذان يندر وجودهما في أفلامٍ كثيرة، اضطرّ لإيجاد بدائل، أو العمل على إعادة تشييد أمكنة ومدن (لوكايشن) يصعب الوصول إليها والتصوير فيها. المشهد الإيراني مقنع، يمنح صدقية لاشتغال معنيّ كثيراً بنقل الشعور النفسي لأبطاله، وسط المناخ الطبيعي الذي يتفاعلون فيه.


 




 


يكاد الوجود الجديد يُنسي تاريخاً شخصياً مؤلماً. هذا توحي به الحياة المريحة للأم في لجوئها. أصوات الطَرَقَات القليلة على باب منزلها تكذّب ذلك الإحساس، وتكشف هشاشته. أعضاء منظمة سياسية إيرانية معارضة يطلبون منها التعرّف على صورة امرأة، اسمها الحقيقي ليلى، يشكّون بتعاونها مع أجهزة مخابرات النظام الإيراني، وصلت إلى هولندا وطلبت اللجوء فيها. صورتها ستقلب كيان الأم الثكلى، وتعيد رغبة كامنة لديها في الانتقام منها. على ذلك السلك الرفيع الحسّاس، ستمشي الأم، متأرجحة بين وعي مُكتسب، ينشد ترفعاً عن عنف، وغريزة بشرية كامنة في الأعماق، تريد الثأر ممن تسبّب في موت ابنتها، وسجن أخيها أعواماً مديدة.


الذاكرة أَمّارة باستعادة المنسي، والسلطة تقوّي نزعة استبدال الأدوار. السلطة المُكتسبة للأم يُقابلها في هولندا ضعف ليلى، ووجودها القلق مع ابنتها الصغيرة. توازيها بالقدر نفسه، وتتوافق معها سلطة منظمات سياسية معارضة، تريد فرض شريعتها في الخارج على خصومها. مثلها مثل سلطة البلد، التي أباحت شريعتها السياسية قتل الشابة ميترا. مؤلم إحساس الضحية بوجود الجلاد، الذي هربت منه في المكان نفسه. يعمّق التساوي بينهما شعوراً بالظلم، تلتقطه الذاكرة، وتعمل على تحفيزه.


تستعيد الأم ذكرياتها في بيتها، وعلاقتها بابنتها المندفعة بحماسة شباب إلى مقارعة استبداد. تتذكّر آثار التعذيب الظاهرة على جسدها الضعيف، لحظة زيارتها السجن في المرة الأخيرة قبل تصفيتها. يرنّ في أذنها صوت الواشية بها، صديقتها ليلى. لن تنساه أبداً. بفعل الزمن، تتغيّر الصُوَر، لكنّ الأصوات المُكرَر سماعها، خاصّة النبرات، أكثر استقراراً في تجاويف الذاكرة. عليها، راهنت هالة على التعرّف على المرأة التي جاءت متنكّرة وذات تاريخ جديد مزيّف، لا يشبه تاريخها الحقيقي. يترك السيناريو البحثَ في أسباب هجرتها، ليعتني أكثر بحالة هالة واضطرابها، بعد التأكّد من وجود الكائن ـ الذي دمّر حياتها في إيران، وأجبرها على الخروج إلى المنافي ـ على بعد خطوات قليلة منها.


يخلق النصّ لنفسه مساحات معارضة لانتقامٍ، لا يخضعه لمُحاكَمة. ترك وسطه شخصياتٍ تتحرك وتعمل على تأجيله. فيها (المساحات)، ينشط محسن (محسن مامجو، واضع الموسيقى التصويرية للفيلم أيضاً) باتزان، متحصّناً بقناعة أنْ لا شيء يُعيد ما فُقد. التعذيب عطّل أجزاء من جسد الأخ، وأجبره على الانطواء وتَرْك الماضي بأثقاله وراءه. هناك تلميح مبطن بعجز جنسي، يذكّر بالإحساس نفسه، المتسرّب من حوارات السجينة التشيلية باولينا، في مسرحية “الموت والعذراء”، مع معذّبها وقد تعطّلت فيها الأنوثة، جرّاء ما تعرّضت له من اغتصاب شنيع. وجود الطفلة نيلو (أفين مانشادي)، ابنة ليلى، في حدود تلك المساحة، يُلغي الإعلان عن هوية الخائنة لزعماء المنظمة السياسية، ويجنّبها تشرّداً مؤلماً.


يترك كاوه مُديري تلك الدوافع والغرائز تتفاعل وتتشابك بعضها ببعض، من دون أحكام أو مرافعات في قِيَم أخلاقية. يترك الإنسانيّ يأخذ طريقه، ويوقف فِعْلاً يضرّ بأبرياء، لأنه عندها سيتساوى فعل الضحية مع الجلاّد. هذا لا يتوافق مع نصّ سينمائي مُحصّن، يقترح قراءة واقع سياسي مؤلم، لا يتردّد في تحميل الجلاد أسباب كلّ ما يحلّ بأبطاله، ويدفعهم ـ في لحظات قاسية ـ إلى انتقام أعمى. نصٌّ تكَامَل بصنعة سينمائية، والتصوير (دان نيونهوس) من بين أهم مفرداتها، إلى جانب تمثيل مقنع، وإحاطة سردية بوقائع مُتخيّلة جرت على مساحات جغرافية كبيرة، جعلت “ميترا” أحد أهم الأفلام المعروضة في “تحت الأضواء”، في الدورة الـ50 (1 ـ 7 فبراير/ شباط 2021) لـ”مهرجان روتردام السينمائيّ الدولي”.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً