ميكيس ثيودوراكيس… زوربا الراقص والمطرب والمحارب

إبّان سنوات الحكم العسكري في اليونان (1967 ــ 1974) كان المنفيون يتداولون نكتة لا تزال شهيرة حتى اليوم. تقول النكتة إن أحد المارة سمع شرطياً يدندن وهو يخطو لحناً معروفاً. فسأله العابر: إني لأعجب يا حضرة الضابط كيف لك أن تردد لحناً للمؤلف ميكيس ثيودوراكيس. فما كان من الضابط إلا اعتقال المار المسكين، بتهمة الاستماع إلى موسيقى محظورة.


للوهلة الأولى يبدو مستغرباً، لا بل عجيباً كيف يمكن لسلطات بهذا القدر من البطش والقوة أن تشعر بتهديد من فنان موسيقيّ جُلّ ما يقوم به هو إما العزف على آلة، أو تأليف مقطوعة أو تلحين أغنية. إلا أن عبقرية موسيقية كعبقرية ميكيس ثيودوراكيس (1925 ــ 2021)، الذي رحل في الثاني من الشهر الحالي، حين تُزهر في مجتمعٍ حيّ عريق كالمجتمع اليوناني، مؤمنٌ بأنه الديمقراطية الأولى في التاريخ، فلسوف يلتف حولها الناس بالتأكيد. فتصبح بالفن الرفيع وحده قادرة على هز عروش الحُكام وقض مضاجعهم.


تختلف سيرة ثيودوراكيس عن سِيَر معظم الموسيقيين. فخلال الحرب العالمية الثانية، انضم الفنان الشاب إلى القتال ضد الاحتلال النازي. بعد انتهاء الحرب، وُضع على لوائح أسماء من انخرطوا في المقاومة، إلى جانب مجموعة من الشيوعيين، وجرى اقتياده إلى أحد معسكرات الاعتقال سيئة السمعة في جزيرة ماركونيكوس. 


هناك، تعرض لمختلف أنواع التعذيب، إلى أن أُصيب بمرض السلّ. بعد خروجه من المعتقل، تبنى ثيودوراكيس المبادئ الشيوعية. فأسس تنظيماً سياسياً شبابياً، مكّنه من ترشيح نفسه للانتخابات سنة 1964 ثم الفوز بها كمنافسٍ منضو تحت التيار الشيوعي. عندما قاد الجنرالات انقلاباً عسكرياً، استولوا بموجبه على الحكم في اليونان وحلوا جميع الأحزاب وأنشأوا محاكم تعسفية، صدر أمرٌ باعتقاله، وحُظِر عزف، أو حتى سماع موسيقاه.


تنوعت أساليب ملاحقته من سجن ونفي، هو وعائلته، دامت ثلاث سنوات. عُذّب خلالها مراراً، ولأجله عَلت النداءات واشتدت المناشدات من كبار الشخصيات الأدبية والفنية والموسيقية حول العالم، إلى أن وافقت السلطات على إبعاده خارج البلاد. فذهب ليُقيم مع أسرته في العاصمة الفرنسية باريس.



من القارة الأوروبية وإلى جميع أنحاء العالم، قاد ثيودوراكيس حملة موسيقية دؤوبة لكسب الدعم وحشد التأييد في سبيل إسقاط حكم العسكر وإعادة إرساء النظام الديمقراطي في البلاد. الأمر الذي تم أخيراً سنة 1974 ليُكتب لليونان دستورٌ جديدٌ وتدخل المجموعة الأوروبية. فيعود الموسيقي المقاوم إلى الوطن متابعاً العمل فيه وفي سبيله، كمؤلف وملحن وقائد أوركسترا، وعضو في البرلمان لعقدين من الزمان.


أما موسيقاه، فتتناهى بعيدةً كل البعد عن النضالات المريرة التي خاضها بداية كمقاوم وناشط في غمرة مناهضته الفاشية ثم الديكتاتورية، ولاحقاً في معترك السياسة اليونانية وتذبذباتها الحزبية وحساباتها الواقعية والبراغماتية المعقدة في علاقتها بالقارة الأوروبية والعالم. إذ ظلت النزعة الغنائية المتوسطية المشرقة ومن تحتها المديات المقامية الدافئة الوادعة البصمة الخاصة لجميع أعماله، سواءً في الموسيقى الصرفة أو تلك المصاحبة للأفلام السينمائية.


ولقد عبّر بنفسه عن مدى إيمانه بالمنحى الغنائي والأسلوب المقامي في التأليف الموسيقي (الذي يعتمد التآلفات النغمية الطبيعية). وذلك في الحوار الذي أجراه معه المنتج والناقد الفني الأميركي بروس دافي سنة 1994 في مدينة شيكاغو الأميركية حين زارها المؤلف اليوناني. ففي نقد الأسلوب التجريدي اللامقامي الذي كان سائداً حينها بين أوساط المؤلفين الشباب وفي أعمالهم، يقول ثيودوراكيس: “صعبٌ أن أستسيغ ما يكتبه المؤلفون الشباب اليوم. بالنسبة لي، تبدو أعمالهم معقدة للغاية. إذ إن أسس الموسيقى في نظري هي الأغنية والرقصة، الإيقاع والانسجام (الهارموني) ولئن كانت تلك هي دعائم الموسيقى، فحري بالمؤلَّف الموسيقي دوماً أن يرتكز عليها وينطلق منها. لا تهم الآلة أو التشكيلة الآلية التي كُتبت الموسيقى لأجلها، ما دامت الأغنية، والمقصود هنا هو الغنائية، هي معين إلهام كاتبها”.




كالعديد من الشخصيات الفذّة عبر التاريخ، لم تجمع سيرة ميكيس ثيودوراكيس جميع التناقضات الممكنة فحسب، بل صالحت بينها وجعلتها تتكامل في شخصية فريدة خاضت معترك الحياة على جبهات مختلفة، دائماً على ذات الدرجة من الشغف والحماسة. أولها الفن والموسيقى.


كان على الطالب الشاب في العاصمة اليونانية أثينا أن يلج العالمية من بابها العالي آنذاك؛ العاصمة الفرنسية باريس، ليدرس عند أشهر مؤلفي عصره الفرنسي أوليفيه ميسيان 1908-1992، إذ درس العمارة الموسيقية الغربية من عصورها الوسطى، مروراً بالكلاسيكية والرومانسية ووصولاً إلى الحداثة. وفي ذات الوقت، ظل ثيودوراكيس متمسكاً بالروح البِكر للبحر المتوسط وفنونه الأولى.


في السياسة، قارع الفاشية وناهض الديكتاتورية المُنبثقة عنها، ليدفع في سبيل ذلك سجناً وعذاباً ونفياً. ناصر اليسار العالمي وانضوى تحت المظلة الفكرية والاجتماعية للشيوعية. في المقابل لُقّب بـ”الشيوعي الثري” بسبب جنيه المال الكثير لقاء كتابته موسيقى تصويرية لأفلام سينمائية لاقت نجاحاً ورواجاً تاريخياً. كفيلم “زوربا اليوناني” Zorba the Greek سنة 1964 إذ بات اللحن الذي وضعه ثيودوراكيس ورقص عليه كل من أنتوني كوين وآلان بيتس إلى الآن، واحداً من التنميطات السمعية التي تُمثِّل اليونان في كلّ مكان.



إلّا أنّه في آخر حياته، مع أفول اليسار العالمي وصعود الهوياتية السياسية، أخذ يميل نحو اليمين ويتبنّى مواقف قومية محافظة، كردّة فعلٍ إزاء المهانة التي تعرضت لها بلاده إثر الأزمة الاقتصادية التي أصابتها سنة 2009. تجمعٌ مدني أسسه، رافعاً شعار اللاسياسية، سمّاه “حركة الشعب المستقلة” هاجم من خلاله انصياع حكومة سيريتسا اليسارية لشروط الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي المُذلة بشأن سداد الديون. كذلك، أطلق تصريحاً اعتبر مقدونيا جزءاً لا يتجزأ من اليونان، نال عليه ثناء واستحسان حزب “الفجر الذهبي” أشد تنظيمات اليمين تطرفاً وألد أعدائه السياسيين.


قال عالم ميكانيكا الكم، بول ديراك، ذات مرة: “المتناقضات ليست متعارضات وإنّما متتامّات” وكأنّي بالحياة أقرب ما يكون إلى النسبية وأبعد ما يكون عن السببية، تحكمها سياقات الأزمنة والأمكنة وتتحكم بها الحالات الشخصية والظروف الموضوعية. أما الصدف، فتلعب فيها أدواراً تعكّر صفو المطلق واليقين، وتلك هي الحقيقة. فسيرة ميكيس ثيودوراكيس، ككل المشاهير، لا يُميّزها سوى انكشافها التاريخي، إذ إنّها تشبه سيرة كلّ منا؛ جملة من التناقضات. ليس على المرء إلّا أن يجهد في التصالح معها، أو أن يرحل من دون ذلك.





Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً