نتائج الانتخابات المغربية بعيون تونسية: صندوق الاقتراع الحَكم الوحيد

كان لرسائل الهزيمة القاسية لحزب “العدالة والتنمية” في الانتخابات التشريعية المغربية، وقعها على المشهد السياسي التونسي، الذي يتخبط على وقع الإجراءات الاستثنائية التي فرضها الرئيس التونسي قيس سعيّد، منذ 25 يوليو/ تموز الماضي، وقضت بتجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه وحل الحكومة. وأثار تقهقر “العدالة والتنمية” انتخابياً، ونجاح الديمقراطية المغربية في التداول على السلطة، وإبعاد الحزب الحاكم منذ عشر سنوات، جدلاً في تونس، ولا سيما بشأن تفويت الأخيرة فرصة الريادة في تغيير المشهد عبر الانتخابات، في وقت كانت تمثّل فيه نموذجاً في المنطقة في الممارسة الديمقراطية والتداول السلمي على الحكم.

وفي السياق، قال الوزير السابق، مدير “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” في تونس مهدي مبروك، في تصريح لـ”العربي الجديد”، إن “هناك تأثيراً لما حدث في تونس على العملية الانتخابية في المغرب، كما أثّرت الثورة التونسية سابقاً في حركة 20 فبراير المغربية عامي 2010 و2011، ولكن هو تأثير غير مباشر وانعكس في المزاج الانتخابي المغربي”. وأضاف أن “العملية الانتخابية تُقرأ بأدوات محلية تحديداً، فحزب العدالة والتنمية في حدود عقد من الزمن، تجرأ على الثالوث السحري: المال والإدارة والعالم القروي”.


مبروك: ثلاثة عوامل كبرى أثرت على العدالة والتنمية خلال عقد من الزمن


وتابع مبروك أن “أهم ما تقدمه التجربة المغربية لتونس من دروس، يتمثّل في أن الإسلام السياسي يمكن أن نعاقبه ونتبرم منه من خلال صناديق الاقتراع، وليس بالسطو على النتائج والأصوات وبتزوير إرادة الناخبين”. وأضاف أن “الإسلام السياسي يفوز وينهزم من خلال صناديق الاقتراع، والإرادة الشعبية لا يُعبر عنها إلا في إطار واحد: الأصوات التي يدلى بها في صناديق الاقتراع”. وشدد على أن “أهم درس يمكن التقاطه هو تقديم جميع أعضاء الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية استقالاتهم وتحملهم المسؤولية، وهو تقليد يحدث للمرة الأولى في العالم العربي، على غرار الديمقراطيات العريقة”. وأوضح مبروك أن هناك “ثلاثة عوامل كبرى أثرت على العدالة والتنمية خلال عقد من الزمن. أولاً الخروج التدريجي من الثقافة الدعوية إلى الثقافة السياسية، وإلى ما نسميه بالثقافة التدبيرية، أي الحكم المباشر بأدوات الدولة. وهنا لم يتم وضع أصول نظرية للانتقال الفجائي من الجماعة الدعوية إلى الحزب السياسي والحكم، ولم يتم وضع أدبيات مهمة في هذا الإطار، وهو ما أفقد الحزب الكثير من الانسجام العقائدي، وأدخله في ثقافة التبرير”.


والعامل الثاني، بحسب مبروك، كان “الرهان على الطبقة الوسطى التي تمثل فئات هامة من المجتمع المغربي من ذوي القيم الليبرالية، والتي صوت الكثير منها في السابق للعدالة والتنمية، ولكن هذه الحاضنة الاجتماعية هي أكثر من تضرر من سياسة تفكيك منظومة الدعم والخيارات التي كانت لها كلفتها، ما تسبب في نقمة الحاضنة الاجتماعية هذه”. العامل الثالث “وهو من الأخطاء القاتلة، مسألة التطبيع مع إسرائيل، واستمرار اعتماد اللغة الفرنسية في التعليم والحياة والعامة، خصوصاً أن الدستور ينص على أن العربية هي اللغة الرسمية للبلد، وقد كان هذان العاملان بمثابة التنكر للهوية العقائدية والرمزية، وبالتالي كان العقاب الانتخابي قاسياً”.




واعتبر مبروك أن “قضية التخلص من الإسلام السياسي في المنطقة، وفي سياقات محلية، كانت بمثابة الكلمة السحرية في السنوات الأخيرة، وتلقفتها العديد من الأوساط الاجتماعية الداخلية والإقليمية، وقد تمثّل ذلك مثلاً بالنسبة للعدالة والتنمية، ليس فقط بتحميله الكلفة الباهظة للحكم بعد اعتماد خيارات اقتصادية حاسمة، ولكن أيضاً في مسألة التطبيع”.


إلى ذلك، اعتبر الأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “الانتخابات المغربية سيكون لها تأثير في تونس، فالتجربة الديمقراطية المغربية أثبتت للتونسيين أن الأحزاب عندما تعمل بجدية، وتكون لها برامج وتطوّر قاعدتها الانتخابية، بإمكانها منافسة الحركات الإسلامية وأحزاب الحكم”. وأضاف الشابي أن “الحركات الإسلامية ليست الغول السياسي الذي لا يمكن الانتصار عليه إلا بإعلان حالة الاستثناء وتقليص مساحة الحريات والحقوق”.


ولفت المتحدث نفسه إلى أن “التجربة الديمقراطية المغربية والتداول على الحكم سيستمران بصيغة جديدة، فالإسلاميون بعد أن كانوا الحزب الأول والحاكم، سيصبحون حزباً معارضاً بتمثيلية صغيرة، وهذا ما يدعو النخبة التونسية لعدم انتظار الحلول الإدارية والتعسفية والاتكال على أجهزة الدولة لقلب موازين القوى، بل العمل على تطوير أنفسها وإمكانياتها”.


الشابي: الحركات الإسلامية ليست الغول السياسي الذي لا يمكن الانتصار عليه إلا بإعلان حالة الاستثناء


وأكد الشابي أن “هناك إمكانية للتغيير ومنافسة أحزاب الإسلام السياسي عبر صناديق الاقتراع، وبالأسلوب الديمقراطي”، مشيراً إلى أن “التجربة التونسية أثبتت أن التغيير ممكن عبر الانتخابات وصناديق الاقتراع. فالتونسيون الذين صوتوا لحركة النهضة والترويكا (التي قادت البلاد بعد انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول 2011، وتتألّف من حركة النهضة وحزبي “المؤتمر من أجل الجمهورية” و”التكتل من أجل العمل والحريات”) بحوالي مليوني صوت، هم التونسيون أنفسهم الذين صوتوا بعد ذلك للباجي قايد السبسي ولحركة نداء تونس، ومنحوه الرئاسات الثلاث، ثم صوتوا لقيس سعيّد، ويمكن أن يصوتوا بعد ذلك لغيره”. وتابع أن “الانتخابات ليست بيعة إلى الأبد، والشعب له أن يختار وله شرعية تغيير رأيه، وهذه هي الديمقراطية. وحتى تستقر الديمقراطية التونسية ولتثبيتها، يجب العودة للثقافة الدستورية وتعزيزها بالمؤسسات”.


وأوضح الشابي أن “ما قامت به قيادة العدالة والتنمية، والاستقالات من الأمانة العامة بعد الهزيمة القاسية، هي من أبجديات الممارسة الديمقراطية، وفي إطار إفساح المجال للمراجعة والتقييم وتنفيذ الإصلاحات”، مشيراً إلى أن ذلك “ستكون له تأثيراته على تونس، وتحديداً على حركة النهضة التي تعيش مشاكل داخلية، وذلك باتجاه تغيير الحركة قيادتها التي تعتبر مسؤولة عن الأوضاع التي بلغتها البلاد، ومساهمة في الأزمة”. وتابع: “صحيح أن هذا شأن داخلي يخص النهضة، غير أنه سيكون له تأثير مباشر، وسيعزز موقف المطالبين بالتغيير داخلها”.


ورأى الشابي أن “السياق الانتخابي المغربي هو سياق خاص، إذ كان من المنتظر تراجع حزب العدالة والتنمية في المغرب، ولكن لم يكن متوقعاً أن يتراجع بهذا الحجم، ولا أعتبر أن السياقات التونسية والأحداث الأخيرة في بلدنا أثرت على المغرب”. واعتبر الشابي أن “حزب العدالة والتنمية أخفق خلال فترة حكمه في تطوير حياة المواطن المغربي، كما اهترأ الحزب من آثار الحكم، مع غياب إنجازات كبيرة”. وتابع الشابي: “العدالة والتنمية كأغلب أحزاب الإسلام السياسي، تُقدّم كل التنازلات للبقاء في الحكم، ولعل أهم التنازلات كان التوقيع على وثيقة الاعتراف بالكيان الصهيوني في إطار التطبيع، معتقداً أن في ذلك تعزيزاً للعلاقات الدولية، وسيشفع له للاستمرار في الحكم، غير أنه فقد ثقة الناخب المغربي وحتى ثقة نسبة من أنصاره”.


براهم: في الأنظمة الديمقراطية من أتى بهم الصندوق يذهب بهم الصندوق، ولا حاجة للانقلابات وانتهاك الدساتير


من جهته، اعتبر الوزير السابق والقيادي بحركة النهضة عبد اللطيف المكي، خلال تعليقه على نتائج الانتخابات المغربية، أن “المهم استمرار التقدم نحو الحرية والديمقراطية، ومن طبيعة الديمقراطية أن أحزاباً تتقدم وأخرى تتراجع، وهكذا دواليك، وإلا ما فائدة الانتخابات؟”. وأضاف المكي، في منشور عبر حسابه بموقع “فيسبوك”، أول من أمس الخميس، أن “الأحزاب التي تتقدم ستُختبر في الوفاء بما وعدت به، والأحزاب التي تتراجع عليها استخلاص الدروس لكي تعود بالجديد”. وتابع “في الديمقراطية يتراجع حزب ولا يتراجع الوطن، يخسر حزب ولا يخسر الوطن”.


من جهته، اعتبر المحلل السياسي وأستاذ الحضارة سامي براهم، في تعليقه على “درس تشريعيّات المغرب”، بحسب توصيفه، أن “الدرس الأول البليغ أنه في الأنظمة الديمقراطية من أتى بهم الصندوق يذهب بهم الصندوق، ولا حاجة للانقلابات وانتهاك الدساتير”. وشدد في منشور عبر صفحته بموقع “فيسبوك”، أول من أمس، أن “الانقلاب يمدّ في أنفاس من كان يمكن أن تحيلهم الديمقراطية على هامش الفعل السياسي”.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً