نزهة في خرائط غوغل خلال الجائحة

نشرت مجلة “ذا نيويوركر” مقالاً بعنوان “تزايد شعبية تطبيق شوارع غوغل بسبب الوباء“. نقرأ في المقال كيف أن خدمة Google streets شهدت إقبالاً كبيراً، لما توفره من متعة واسترخاء للمحجورين في منازلهم، إذ يمكنهم “التنزه” في شوارع العالم المختلفة واكتشاف معالم المدن وتفاصيلها اليومية، ما يشبع الرغبة بالاكتشاف ويحفز الفضول، ولو كانت هذه النسخة افتراضيّة ومحكومة بنفوذ كاميرات غوغل. النوستالجيا تقود البعض إلى الأوطان التي هُجّرنا عنها، والأماكن التي لا نستطيع زيارتها. هنا، يظهر الاختلاف. 


الصور في أنحاء العالم، حيث حرية التعبير والتنقل مضمونة، تبيح الانتقال بين الشوارع والأماكن خطوة خطوة، والاطلاع على التفاصيل المختلفة للمكان. صور محايدة تعتمد على حركة سيارات غوغل التي تتحرك بحرية مطلقة، في حين أن الصور في بعض مساحات العالم العربي لا تبيح سوى النظر من مكان واحد مع رؤية 360 درجة، وتغلب عليها الصور السياحيّة ذات الدقة العاليّة، لكنها ثابتة في مكان واحد، نراقب ضمنها ما حولنا من دون أن نتحرك. 


كأننا أمام أرشيف يصنعه الأفراد للمساحات التي يشغلونها 


يبيح الموقع أيضاً تحميل الصور من قبل المستخدمين، وكأننا أمام أرشيف يصنعه الأفراد أنفسهم للمساحات التي يشغلونها ويتحركون ضمنها، ما يغني المحتوى، ويزيد من احتمالات المشاهدة والتنزه. لكن، عند النظر إلى خريطة توزع اللقطات في بعض الدول العربية، نلاحظ أنها خجولة وتتحرك إما في الأماكن شديدة الخصوصيّة (منزل، دكان، مدخل شركة…) أو شديدة العمومية والسياحيّة.


لا يمكن لنا تتبع الشوارع  و”الحارات” والمساحات التي تختزل ذاكرة فردية لا جماعيّة. ربما يرتبط ذلك بخصوصية التصوير في الأماكن العامة، وصعوبة أخذ صور عالية الجودة أمام أعين الرقيب. لكن، في ذات الوقت، نتلمس شكلاً من اللعب؛ إذ نرى أشخاصاً غير مشوشي الوجه منتشرين في الشوارع، عابرين يشكلون “ديكور” الصورة، لكل واحد منهم حياة كاملة ومعاناة يومية تُختزل بلقطة سريعة نتأملها من وراء شاشتنا. حيوات بلا حكايات تترك لنا المخيلة في اكتشاف ما يختفي وراءها، وتخمين أسباب وجودها في الشارع. 




تنوع لحظات التقاط الصور يتركنا أمام “تواريخ” متعددة للأماكن، وكأننا أمام لعبة تتحدى الذاكرة، نحاول أن نرصد فيها ما حدث قبل أو بعد التقاط كل صورة. كما تتيح لنا الصور التركيز على تفاصيل كنا قد تجاهلناها مسبقاً، أو نلتفت لها للمرة الأولى في أماكن ما زالت حبيسة الذاكرة، كلون الأبنية، وأشكال الإعلانات، وأنواع السيارات. 


هناك نسخة أخرى من التطبيق تتبنى شكل اللعبة، إذ يتم وضع المستخدم في مكان غير محدد، وبعد زمن محدد مسبقاً، عليه تحديد المكان على الخريطة في العالم. وهنا يبدأ التنافس والقدرة على قراءة ملامح المكان الطبيعية والجغرافيّة، ما يختبر الذاكرة البصرية للأفراد، لكن هناك إشكالية في هذا النوع من التطبيقات، وارتباط ذاكرتنا عن الأماكن بـ”صور”، إذ يرى البعض، منذ بداية ظهور الأبحاث الرقميّة، أن هناك تهديداً للعلاقة بين الدال والمدلول، أي أن الكلمة (الدال) التي كانت تعني شيئاً ما تعلمانه في المدرسة أو رأيناه في الشارع (المدلول)، استبدل مدلولها بصورة على الشاشة، وكأننا أمام صور مرتبة ومنسقة تتحكم بها خوارزمية تشكل البنية التحتية للذاكرة التي نجد ضمنها أنفسنا. 


يتضح الأمر عند التفكير في الصور السياحيّة وأثرها على أسلوب إدراكنا للأماكن، فباريس هي مجموعة من الصور التي تُعرف بدقة أماكن التقاطها، سواء في ساحة تروكاديرو لمشاهدة برج إيفل بأكمله، أو على زاوية الشارع لمشاهدة قوس النصر بأكمله. هذه الصور هي ما يشكل “المدينة” من وجهة نظر سياحيّة.


لكن نزهات الخرائط تغير هذه الصور وإدراكنا للمدينة التي تمثلها، وتكشف لنا عن الصور خارج الإطار. الأمر أشبه بتمرين للمخيّلة في ظل الحجر الصحيّ والتباعد الاجتماعيّ.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً