"نساء عالمات"… هل ينحاز الإلكترون إلى الرجل؟

لماذا للرجال العاملين في التخصصات العلمية وحقولها وجود أكبر؟ هل الرجال أذكى من النساء؟ من الغريب أن يلقى سؤالًا كهذا اهتمامًا بحثيًا واسعًا، إذ يوجد العديد من المقالات التي تناقش تفوق أحد الجنسين على الآخر في التخصصات العلمية، أو في معدلات الذكاء، ويمكن لأي كاتب أن ينتقي ما يشاء من الدراسات والفرضيات، لإثبات وجهة نظره أيًّا كانت.


بدراسة نظريات الفيزياء، قد يشعر طالب مدرسة بأن هذا الفرع من العلوم يقتصر على الرجال؛ لأن النظريات الأساسية في الفيزياء وُضعت على يد علماء رجال. ومن الصعب على طالب المدرسة فهم السبب في ذلك، خصوصًا أنه، على الأرجح، لم يتعرّف في المناهج إلى تاريخ العلوم، ولا يعرف كثيرًا عن العصر الذي نشأت فيه النظرية والقوانين التي عاش في ظلها العالِم. طالب المدرسة معذور إن افترض بسرعة وبسذاجة أن السبب معزوّ إلى قدرات ذهنية يتفوق فيها الذكور على الإناث. لكننا سنجد باحثين و”علماء” كبارًا، عملوا في أهم المؤسسات العلمية، يؤمنون أن السبب يُفسر بالقدرات الذهنية، مثل الإيطالي أليساندرو ستروميا، المختص بالفيزياء، والذي عمل مع “المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية” CERN.


ذاع صيت ستروميا عام 2018، بعد أن خرج بخطاب و”بحث” ادّعى فيهما أن الرجال أفضل من النساء في الفيزياء. وقد استند في خلاصته هذه إلى دراسة أجراها بتحليل أوراق بحثية لمجموعة من النساء والرجال. ووجد أن الأوراق البحثية للرجال استخدمت كمرجع (اقتُبس منها في أوراق بحثية أخرى) أكثر من ما اقتبس من الأوراق البحثية التي كتبتها النساء. بالاعتماد على ذلك، يقفز ستروميا إلى استنتاجات سريعة ليقول ما يريد قوله. لكن، لماذا يُكرّس بروفسور في الفيزياء وقته للخوض في سؤال من العلوم الاجتماعية؟ ومن أين يأتي بالجرأة للخوض، واثقًا، في بحث من خارج اختصاصه؟


قطعت CERN علاقاتها مع ستروميا، وبطبيعة الحال استغل الأخير الحدث ليؤكد التمييز ضد الرجال. ورغم أنه لاقى انتقادات واسعة من مختصين في العلوم الاجتماعية وعلم الأعصاب والدماغ، يقول ستروميا لـ”هيئة الإذاعة البريطانية” (بي بي سي) إن ورقته ستُعتمد ويثبت صحة تحليله لو سمحت له المجلات العلمية بنشرها فيها.


الشخصية المتعجرفة للعالم الواثق من نفسه أكثر من اللازم تأخذنا إلى ديفيد مارشنت، المختص في علم الجيولوجيا، والمعروف بكرهه للنساء. طُرد البروفسور مارشنت من “جامعة بوسطن”، بعد عدة شكاوى ضده تتهمه بالتنمر على طالباتها واحتقاره لهن.




في الفيلم الوثائقي الذي تعرضه منصة نتفليكس، “نساء عالمات” Picture A Scientist، نتعرف أكثر إلى إحدى الطالبات السابقات لمارشنت، هي جاين ويلينبيرغ، المختصة بعلوم الجيولوجيا. عانت ويلينبيرغ في فترة الدراسة من تنمر ومضايقات أستاذها الجامعي، والمشرف على رسالتها البحثية في برنامج الدراسات العليا في “جامعة بوسطن”.


بصورة تقليدية يعرض الوثائقي ثلاث شخصيات لنساء عالمات: ويلينبيرغ، وهي عالمة بيضاء شابة، وعالمة أخرى أكبر من الأولى سنًّا، هي نانسي هوبكنز، تقدم من خلال تجربتها لمحة سريعة عن تمييز وعقبات كثيرة عانت منها النساء العالمات في الماضي.


تشير هوبكنز، أكثر من مرة، إلى أنها لم تكن ترغب في الحديث أو العمل في شيء آخر، سوى الأبحاث العلمية التي تهتم بها، لكن التمييز ضد النساء والإجحاف بحقهن أثّر في عملها، ومنعها من الحصول على المعدات والمساحة اللازمة لإجراء تجاربها العلمية. تقول إنها صارت مدافعة عن حقوق النساء رغمًا عن إرادتها. اضطرت هوبكنز إلى عمل دراسة تستند إلى بيانات وأرقام، تُبين أن العلماء الرجال يحصلون على معدات ومختبرات أكبر من تلك التي تحصل عليها النساء. الدراسات والاجتماعات والحوارات التي اضطرت هوبكنز إلى خوضها من أجل الحصول على حقوق وفرص متساوية استهلكت منها وقتًا وجهدًا لا يضطر زملاؤها من العلماء الرجال إلى إهداره في أبحاثهم العلمية.


عالمة الكيمياء ريتشيل بوركس تخسر الكثير من الوقت والجهد المعنوي والنفسي في محاربة الصور النمطية المحبطة عن النساء من ذات البشرة السوداء، وتخبرنا عن القمع المزدوج الذي تعانيه قريناتها.


قد يقدّم “نساء عالمات” بعض الإجابات عن الأسئلة حول سيطرة الرجال على العلوم، وتراجع عدد النساء العالمات مقارنة بالرجال، في حقبة مهمة كان كثير منهم من الألمان، ونسبة كبيرة أيضًا من اليهود. فهل يعني ذلك أن هذه الفئات أذكى من غيرها من فئات الرجال؟ هذه الأسئلة سخيفة للغاية، ولا بد من قدر من العواطف الحادة تجاه جنس أو عرق ما، ينشغل في إهدار الوقت في المقارنة والمفاضلة بين تفوق جنس أو عرق ما على الآخر.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً