نمو الاقتصاد والمواطن المصري

تتشدق الحكومة المصرية طوال الوقت بما تم تحقيقه من أرقام على مستوى الاقتصاد الكلي، رغم وجود كثير من الشكوك حولها، متجاهلة تردي أوضاع الملايين من المواطنين، الذين أصبح ثلثهم تحت خط الفقر، وثلثهم الثاني يقترب منه، ومتناسية أن رفع مستوى معيشة المواطنين هو الهدف الأول والأهم لكافة السياسات الاقتصادية المتبعة في أي بلد.

واعتبرت الحكومة أن تحقيق معدل نمو يراوح بين 5.5% و6% يعد من أهم إنجازات المرحلة، رغم أن النسبة الأكبر من هذا النمو جاءت من عمليات استخراج الغاز والنفط من الأماكن المكتشفة حديثاً، ولم تكن نتيجة لزيادة في الإنتاج غير النفطي بما يسمح بالتصدير أو إحلال المنتج المصري محل الواردات.

وفي حين يعد التوسع في عمليات استخراج الطاقة من الأمور المحمودة التي تساعد في دفع معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي سنة اكتشافها، إلا أنها لن تتمكن في الوقت الحالي من إعادة بناء الاقتصاد المصري، كما حدث في سبعينيات القرن الماضي في بعض دول الخليج، وغيرها من الدول المنتجة للنفط، ليس فقط بسبب عدم ضمان استمرار الاكتشافات الجديدة، التي تساعد في تكرار معدلات النمو المرتفعة، لكن أيضاً لانخفاض أسعار الطاقة حول العالم، وتحول المشترين إلى مصادرها الأخرى المتجددة والأقل خطورة على البيئة.

وقبل عامين، تعهدت الحكومة المصرية بتخفيض عدد الفقراء إلى النصف بحلول العام الحالي، 2020، في الطريق للقضاء على الفقر تماماً بحلول عام 2030، ضمن خطة 2030 للحكومة المصرية، التي لم أكن لأعرف بها لولا أن إحدى زميلات الكلية، قبل ثلاثين عاماً أو أكثر، تعمل ضمن فريق العمل الموكلة إليه مهام تنفيذها.

لكن مع مرور الوقت، ثبت أن الحكومة لا تسير في الاتجاه الصحيح، حيث أعلن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أواخر الصيف الماضي أن نسبة من يعيشون تحت خط الفقر بالبلاد ارتفعت إلى 32.5%، لتشمل 32 مليون مواطن مصري، بعد أن كانت 27% في العام 2015، رغم تخفيض الحكومة لخط الفقر عن المتعارف عليه عالمياً ليكون عند مستوى 45 دولاراً شهرياً.

وفي الاتجاه نفسه، ورغم معدلات النمو “المرتفعة” التي حققها الاقتصاد المصري في الأعوام الأخيرة، ورغم اقتراض 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي وأضعافها من السعودية والإمارات والكويت، كما اقترضت من الأسواق الدولية في صورة سندات وأذون خزانة بالدولار، لم تستخدم كل تلك المليارات في مشروعات تنهض بالصناعة أو الزراعة، أو تحسن جودة التعليم والصحة، وتساعد في تحقيق تنمية حقيقية، وانحسرت الوظائف التي يتم خلقها في تلك منخفضة الأجر أو في ما يقع خارج الاقتصاد الرسمي للبلاد. وأعلن البنك الدولي العام الماضي أن 60% من المصريين هم من الفقراء أو المعرضين للفقر.

وفي الوقت نفسه، احتفلت الحكومة المصرية بخفض عجز الموازنة العامة إلى أقل من 8.5% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تناست أن تخفيض العجز لم يتم عن طريق تحسين إدارة أصول الدولة، التي تخطو خطوات واضحة لبيعها للمستثمرين الخليجيين من الإمارات والسعودية، أو توليد المزيد من الإيرادات، وإنما تم على حساب المواطن المصري، الذي خفضت ما تدعمه به في كلفة البنزين والسولار والغاز والكهرباء والماء ورغيف العيش، فارتفعت كلفة الغذاء والسكن والانتقالات والمعيشة، حتى أصبح ما يتحصل عليه المواطن المصري من أجر، بعد استبعاد أثر التضخم، أقل مما كان يحصل عليه قبل تطبيق ما أطلق عليه برنامج الإصلاح الاقتصادي وروشتة صندوق النقد الدولي.

وفي ما يبدو أنه تنفيذ لشعار “صبح على مصر بجنيه”، الذي أطلقه الرئيس المصري قبل فترة، ارتفعت أسعار كل الخدمات التي يحصل عليها المواطن، من مصاريف المدارس، إلى العلاج، ومروراً بكافة أنواع التراخيص، والمواصلات العامة والخاصة، واشتراكات النوادي، وإيجارات السكن.

ورغم وعود تعويض المواطنين من خلال الدعم النقدي، لم أسمع إلا ببرنامج تكافل وكرامة، الذي لا يغطي أكثر من 10% من المصريين، ولا تفي المبالغ الممنوحة من خلاله إلا بالنزر اليسير مما تحتاجه الأسر المصرية.

لم تهتم الحكومة المصرية بتأثير القرارات الاقتصادية على المواطن المصري، واعتمدت على القمع وكبت الحريات وإسكات المعارضة، ليخرج بعد ذلك الرئيس المصري مدعياً أن أحداً من المصريين لم يعترض على الإجراءات الاقتصادية، متجاهلاً حالات الانتحار المتكررة، وارتفاع معدلات الجريمة وتفكك الأسر وانتشار الفساد، الأمر الذي يعكس حال المصريين بعد تردي أوضاعهم الاقتصادية.

في زيارة لمدينة تيميشوارا الرومانية مطلع عام 1989، لفت نظري ومن معي أن المحلات تطفئ الأنوار ولا تضيئها إلا عند دخول الزبائن. فلما سألت عن السبب، أكدوا لي أن الحكومة رفعت أسعار الكهرباء، فأصبحت المحلات تحاول توفير النفقات بقصر استخدام الإضاءة على حالات الاحتياج الشديد، أو عند دخول زبائن للمحلات.

دارت الأيام بعدها، لتندلع في المدينة بعد فترة وجيزة شرارة احتجاجات ضد الحكومة والفقر والفساد، ولتكون بداية لما تم بعدها من ثورات اجتاحت أغلب دول أوروبا الشرقية، ونجحت في هدم جدار برلين، وأعادت بناء الاقتصاد والسياسة والعدل في أغلب تلك الدول.

تذكرت الواقعة أثناء قراءتي لمقال في مجلة الإيكونوميست الشهيرة، كُتب قبل عدة أسابيع عن الاقتصاد المصري، رصد فيه الكاتب محل فاكهة مر به، فوجده مظلماً، حيث قرر صاحبه إطفاء الأنوار لحين قدوم الزبائن، بعدما ارتفعت أعباؤه، بفعل رفع الحكومة لأسعار الكهرباء، وانخفض حجم مبيعاته بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها أغلب المواطنين المصريين. ولما انتقل الكاتب إلى المحل التالي، وكان محل جزارة، قال له صاحب المحل إن كثيراً من زبائنه أصبحوا يشترون العظم لإعداد الحساء بدلاً من اللحم مرتفع الكلفة!

يقول بيت بوتيجيج، المرشح المحتمل عن الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأميركية القادمة: “سنكون دولة أفضل عندما يعمل الاقتصاد من أجلنا جميعاً”.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً