نيبور في الموصل.. الآثار والتجارة ووضع المسيحيين في الشرق

تناولنا في مقالنا السابق وصف الرحالة الألماني كارستن نيبور لمدينة بغداد في شتاء العام 1866، وكانت بغداد يومها تعيش في واحدة من أحلك مراحلها، ومع حلول فصل الربيع قرر نيبور التوجه إلى حلب، ولكن الطريق كان في ذلك الوقت محفوفاً بالمخاطر، بسبب اشتداد الصراع بين قبائل العرب البدو والسلطنة العثمانية، ولذلك قرر أن يسلك الطريق الشرقي عن طريق كركوك – أربيل – الموصل، كونه طريقاً آمناً، رغم أنه أطول بكثير من الطريق الغربي. وكانت ثمة قافلة لتجار من يهود بغداد والموصل، عدد أفرادها حوالي ثلاثين تاجراً، جاهزة للانطلاق، فقرر مرافقتهم.


انطلقت القافلة باتجاه قرية إيكنجة، ومن هناك إلى طوزخرماتو، وهناك لاحظ كثرة الملح والقير وينابيع النفط، لافتاً إلى أن الناس هنا لا يهتمون بالقير نظراً لأن ينابيعه تكثر في هيت الواقعة على الفرات، ويستعمله الناس هناك في طلي سفنهم، أما النفط فيقول إنه مرغوب في كل مكان، وأن الناس هنا يتخذونه وقوداً لمصابيحهم بدل الزيت.


بعد ذلك وصلت القافلة إلى بلدة اسمها طاووق، ومنها ذهبت إلى كركوك التي يقول إنها تقع في سهل جميل كثير الخيرات، ولكنه قليل العمران، ويؤكد أنه لم يبق في المدينة الأصلية الواقعة على سفح التل سوى القليل، أما التل نفسه فهو مزدحم بالسكان ويحيط به سور من الطين، وفيه حامية من الإنكشارية، ويدعى القلعة.



في قلعة كركوك


ويشير نيبور إلى أن أبنية قلعة كركوك في منتهى الرداءة، وفيها ثلاثة مساجد لها منائر، وفي أحد هذه المساجد قبور يقولون إنها للأنبياء دانيال وميخائيل وحنانيا وإليعازر. ويضيف أن في المدينة نحو أربعين كلدانياً ونسطورياً ينتمون إلى كنيسة روما، وحول لقائه بهم يقول: “ما إن سمعوا بقدوم زائر أوروبي حتى هرعوا فوراً لزيارتي، واستبشروا بقدومي خيراً، وفرحوا بأنهم يرون رجلاً من بلاد القديس بطرس (في إشارة لاعتقادهم بأنه كاثوليكي)، وخلال حديثي معهم أظهروا تذمرهم وامتعاضهم من بقية مسيحيي المشرق بسبب تمسكهم بالخرافات القديمة، وعدم اعتقادهم بأن البابا خليفة المسيح على الأرض”.


وفي حقيقة الأمر كان نيبور بروتستانتياً من المناوئين للبابا، ولكنه لم يخذلهم ويفصح لهم عن مذهبة، بل حضهم على الصبر، وطلب منهم أن يكونوا واسعي الصدر مع المسيحيين الآخرين.


من كركوك توجهت القافلة إلى قرية تدعى كوي سنجق، هي مقر باشا كردي تابع لباشا بغداد، ويقول إن ألطون كوبري وأربيل كانتا تابعتين لهذا البشالك، أما الآن فإن والي بغداد يرسل حاكماً عنه إلى أربيل، فيقوم هذا الأخير بدوره بإرسال آغا إلى ألطن كوبري.



مدينة أربيل


وفي وصفه لأربيل يقول: “هذه المدينة هي أربيلا بلا شك التي اشتهرت في المعركة التاريخية الحاسمة بين الإسكندر ودارا، وقد كانت إمارة إسلامية عاشت سنين كثيرة، وكان أمراؤها الذين حكموا بالوراثة يتصفون ببأس شديد، فوسعوا رقعة إمارتهم، وجعلوها تشمل مناطق واسعة امتدت إلى داخل بلاد فارس، حتى مدينة تبريز، وكانت المدينة آنذاك كبيرة جداً ولها قلعة مشيدة على مرتفع، أما اليوم فلم يبق منها شيء ما خلا القلعة، ولكن حتى هذه ليست مسورة وإنما أقيمت عليها البيوت، ولا سيما حول حافة التل بصورة متماسكة، فلا يستطيع أحد أن ينفذ خلالها داخل المدينة إلّا من داخل باب المدينة الحالي”.


ويضيف قائلاً “إن التل الواقع في أسفل القلعة، حيث كانت تقوم عليه مدينة أربيل الكبيرة، توجد فيه بضعة بيوت فقيرة. هذا وليس في أربيل آثار ظاهرة إلا بقايا جامع كبير يقع بعيداً عن القلعة وسط الحقول، وهو من آثار السلطان المظفر، والمنارة القائمة بجانب الجامع قوية البناء، وهي مبنية من الآجر والكلس، ولها مدخلان ويمكن الصعود إلى قمتها الآن بسهولة، وأربيل تابعة لوالي بغداد وفيها حامية قوية من الإنكشارية”. وبعد ذلك يستطرد في الحديث عن جبل سنجار والطائفة اليزيدية، ويتحدث عن نظرة الناس لهم.



في الموصل


وصل نيبور وصحبه إلى الموصل في اليوم الثامن عشر من مغادرتهم بغداد، وفور وصوله توجه إلى البعثة التبشيرية للرهبان الدومنيكان، ولكنهم امتنعوا عن مساعدته بسبب انتمائه للبروتستانتية، ولذلك اضطر لاستئجار غرفة في الخان. ويبدي رحالتنا استهجانه من سلوك رهبان الموصل الدومنيكان، حيث التقى بالكثير من الرهبان ورجال الدين المسيحيين في العديد من مدن الشرق التي زارها، وجميعهم كانوا متعاونين معه حتى بعد أن يعلموا أنه بروتستانتي. وقد صادف مجيئه إلى الموصل وقت الصوم عند المسيحيين. ويقول إن النساطرة (السريان الشرقيين)، واليعاقبة (السريان الغربيين) يمتنعون عن أكل اللحم والحليب والزبدة والبيض، حتى وإن كانوا في أشد حالات المرض، ويتشددون في المحافظة على الصوم أكثر من المسلمين. ويقول إن الدومنيكان أنفسهم لا يصومون في الموصل بل يتظاهرون بذلك.


وبعد أن يستعرض بسرعة تاريخ الموصل القديم، ويربطها بآشور القديمة، يقول: “إن نصف المدينة الواقع على الطريق البري محاط بسور قديم قوي وضخم، كما لا يزال قسم كبير من السور الواقع على ضفة النهر قائماً. وللقسم الجنوبي الشرقي من المدينة سور متقطع، له أبراج ولكنه غير قديم، وفي مواضع كثيرة منه تلتصق البيوت بعضها ببعض فتشكل قسماً من السور، والقسم الأكبر من المدينة مهدم تغطيه الأنقاض، أما الآخر فمزدحم بالسكان، ويقدر عدد البيوت في الموصل بين العشرين ألف بيت، والأربعة والعشرين ألف بيت”.



شوارع ضيقة ومعبدة


ويتابع وصف المدينة: “شوارع الموصل وأزقتها ضيقة أيضاً وغير منتظمة، كما هي الحالة في بقية مدن بلاد المشرق، ولكنها تختلف عن هذه المدن بفارق واحد، هو أنه ليست فيها محلات منفصلة بعضها عن بعض ذات أبواب خاصة، كما هي الحالة في بغداد والقاهرة. بل إن لجميع الشوارع مداخل في نهاياتها. ومعظم هذه الشوارع والطرقات معبدة، والبيوت فيها مبنية بالجص والحجر، وأكثرها مقببة. ويشتد البرد في الشتاء لدرجة كبيرة بحيث يجمد ماء النهر في أغلب الأحيان. فقد حدث أن جمد ماء دجلة بأكمله قبل عشر سنوات وبقي جامداً أياماً عدة”.



القلعة والمباني التاريخية


حول أهل الموصل يقول نيبور: “أهالي الموصل يعمرون طويلاً، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى هوائها الصحي ومائها العذب المفيد للجسم. وبالقرب من المدينة عيون معدنية كثيرة تقع على حافة النهر، وهي قوية التدفق وتختلط بماء النهر وتسبب له طعم الكبريت، ولكن رائحته تنعدم عند الجسر فلا يشعر المرء بطعمه إذا شرب من النهر عند الجسر الذي يقع في النهاية الثانية من المدينة. وعلى بعد أربع ساعات من المدينة باتجاه الجنوب توجد عين ماء حار واسعة يطلق عليها الناس اسم حمام علي، ولمائها طعم الكبريت وتقذف كثيراً من القير”.


بعد ذلك يحدثنا عن القلعة الداخلية، فيقول: “هذه القلعة تقع على جزيرة صغيرة مستطيلة الشكل في نهر دجلة، وتتخذ الآن مستودعاً للذخيرة والعتاد. وعند زيارتي لها لم أجد فيها أحداً إلا البواب الذي وجدته جالساً عند مدخلها يدخن الغليون، ولقد تركني أجول في هذه القلعة ولم يتعرض لي مطلقاً لمشاهدة كل ما أردت رؤيته. غير أنه لا يوجد فيها شيء يثير الدهشة والاستغراب باستثناء أعداد كثيرة من القنابل التي ألقاها نادر شاه عند محاصرته المدينة”.


ويشير رحالتنا إلى عدد من المباني التاريخية في المدينة، منها جامع الموصل الكبير الذي بناه نور الدين زنكي صاحب دمشق، وأيضاً جامع النبي سرجيس، ويقول إن فيه صندوقاً مملوءاً بالماء لجذب طائر السمرمر آكل الجراد إلى هذه الجهات. ويقول إن هذا الجامع كان في ما مضى كنيسة للقديس سرجيس مدفون فيها. ويحدثنا أيضاً عن جامع كبير قديم يسمى الجامع الأحمر مؤرخ في العام 576 للهجرة. كما يتطرق في تعداده للأماكن الأثرية التي رآها إلى المدرسة الكلية التي أنشأها الأمير لؤلؤ.


أما الكنائس فيقول إن عددها في الموصل نحو عشر كنائس ولكن معظمها صغيرة جداً، ويضيف: “لقد سمح لهم الباشا ببناء عدد جديد آخر، وترميم القسم الباقي وتجديده، وذلك لأنهم اشتركوا في الدفاع ببسالة عن الموصل أثناء حصارها الأخير عام 1743، وقد بنى النساطرة لهم كنيسة جديدة، وكذلك فعل اليعاقبة. وهاتان الكنيستان جميلتان، وخاصة كنيسة النساطرة التي ليس لها مثيل في جميع بلدان الشرق. وقد فهمت من الكتابة التي ساعدني في قراءتها أحد المسيحيين أن بناء هذه الكنيسة تم في عام 1744 ميلادية”.


وحول خانات الموصل، يقول: “في المدينة خمسة عشر خاناً يأوي إليها الغرباء، وبينها خمسة خانات صغيرة ورديئة. أما البقية فهي كبيرة وواسعة، وقد بنيت خصيصاً لتوفير الراحة. أما المقاهي والحمامات والأسواق، فإن القسم الأعظم منها جميل وخلاب، ولكن أجمل وأحسن هذه المحلات العامة تعود إلى أسرة عبد الجليل، أي إلى أقرباء والي الموصل الحالي وهو أمين باشا. وعبد الجليل هذا هو الجد الأكبر لهذه العائلة وله منزلة كبيرة عند النساطرة، وقد خلف ذرية كبيرة، حملت السلطان على أن يعين باشا من أحد أفرادها. فقد حدث وعين والياً من القسطنطينية غريباً عن أهل الموصل، فشاغبت عليه أسرة عبد الجليل وحرضت سكان المدينة والقرى العربية واليزيدية للثورة على الباشا وعصيان أوامره، إلى أن عين السلطان أحد أفراد هذه الأسرة والياً على الموصل”.



المسلمون والمسيحيون


يقول نيبور إن سكان الموصل المسلمين كلهم من السنة والقسم الأكبر منهم على المذهب الحنفي، أما البقية فهم شوافع، ويقدر عدد المسيحيين بنحو ألف ومائتي بيت (حوالي 6000 نسمة)، ربعهم من النساطرة والكلدان، والبقية يعاقبة. ويضيف أن قليلاً من المسيحيين المولودين في الموصل يعرف اللغة السريانية الدارجة بين سكان قرى الموصل، لأن العربية هي لغة آبائهم وأجدادهم، وجميعهم بمن فيهم التجار والباعة والقسس يكتبون بالخط الكرشوني، أي العربي بحروف سريانية، أما كتب كنائسهم فهي مكتوبة باللغة القديمة.




ويتابع واصفاً حالة المسيحيين في الموصل بأنها أحسن بكثير من حالة المسيحيين في بقية بلدان الإمبراطورية العثمانية، فهم هنا يعيشون سعداء وعلى وئام تام مع المسلمين، ولهم الحق أن يلبسوا كما يلبس المسلمون، كثير منهم يعملون في خدمة الباشا، حتى أن رئيس طباخي حرم الباشا مسيحي وكان أبوه يشغل هذه الوظيفة لمدة طويلة عند والد الباشا.


وحول الوجود اليهودي في المدينة، يقول: “في الموصل نحو مائة وخمسين بيتاً (حوالي 750 نسمة)، وهذه الملة تتمتع بحرية واسعة في البلاد التركية في الاشتغال والحصول على قوتها اليومي، أكثر منها في أوروبا التي مجال الرزق فيها مسدود في وجه اليهود. ولكن اليهود محتقرون كثيراً ومنبوذون في بعض البلدان أكثر مما هم عليه عندنا لدرجة أنهم في بعض مدن هذه المنطقة التي يكثر فيها المسيحيون لا يجرؤون على الظهور في المحلات العامة والخروج إلى الشوارع في أيام سبتهم وأعيادهم، فيفضلون البقاء في البيوت لكي لا يلاحقهم الصبيان ويرمونهم بالحجارة، وبذلك يتجنبون الشكاوى لدى الرئيس الأعلى للمسلمين”.


ويروي في هذه المناسبة قصة مقتل طفل مسيحي في إحدى القرى المجاورة للموصل اتهم فيها اليهود، لكن لم يكن هناك أي دلائل تشير إلى تورطهم في هذه الجريمة، ومع ذلك فرض الباشا عليهم غرامة كبيرة من النقود الفضية لأهل الطفل القتيل. ويشير نيبور إلى أن المسيحيين يعتقدون بأن حوادث اختطاف الأطفال وتعذيبهم مرتبطة دائما باليهود، ليس في الموصل فقط بل في جميع مدن الشرق، ويروي لنا قصة حدثت أيضاً في حلب في الفترة ذاتها.



ولاية صغيرة


يشير نيبور إلى أن ولاية الموصل تعد ولاية صغيرة تمتد على جانبي دجلة بمسيرة تسع ساعات باتجاه الشمال، وهي محتشدة بالسكان، أما الجانب الغربي من نهر دجلة فيقول إنه خال من السكان، ويكاد أن يكون متمماً للبادية، ويقدر عدد القرى الواقعة في ولاية الموصل بنحو ثلاثمائة قرية، وتدر في سنوات الخير كميات وافرة من الحنطة والعدس والحمص والسمسم، كما يزرع فيها القطن بكثرة.


ويحدثنا عن مجاعة ضربت المنطقة، وخصوصاً ديار بكر، قبل سنوات، اضطر المسيحيون فيها لبيع أطفالهم للمسلمين، وعندما فرجت أمورهم افتدوا هؤلاء الأطفال بالمال، ولكن جزءا من هؤلاء الأطفال فضلوا البقاء عند المسلمين، وهو ما أدى إلى تناقص أعداد المسيحيين في المنطقة.


وحول الحرف والتجارة في الموصل، يقول: “ثمة مصانع كثيرة للنسيج والحياكة والصباغة وطباعة النقوش على المنسوجات، والمهنتان الأخيرتان بيد المسيحيين، وفي الموصل حركة تجارة واسعة النطاق، إذ يردها من كردستان سنوياً أكثر من ألفي قنطار من البندق، واللوز، فتقوم بتصديرها إلى حلب”.


وينشر نيبور في ختام حديثه عن الموصل قائمة رسمية تفصيلية للقرى التابعة للولاية، بما في ذلك معطياتها السكانية، والعمرانية، وغير ذلك.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً