ها قد وصلنا دير البلح

الليل يتيماً


عتمة داخلي، عتمة من حولي

وسادتي تعانقني بقوة

ويربّت الغطاء على كتفي من الخلف.


*


ليس بوسعي أن ألتقط صورة

لأقول للأصدقاء تعالوا

غادروا بيوتكم أو منافيكم

غادروا أعمالكم وأفراحكم

غادروا أحزانكم الصغيرة

تعالوا إليّ الآن…


*


اكسروا الأبواب والنوافذ وحتى الجدران

دعوا النور يدخل ولو كان ناراً

اكسروا السرير الذي يُرضع حزني

اقطعوا حبل أفكاري ألف قطعة

ونادوا معي على الملائكة

ليس مهماً من يلبي فيهم النداء أولاً

كلّهم حسن

وكل ما سيأتون به خلاصٌ حسن…



*

    

ليس عندي صوت ولا صمت

نادوا الملائكة يا أصدقائي.

قولوا لهم إنني ما زلت طفلاً

تَرَكتْ أمي يدي في سوق الإخوة

وترك أبي يدي في المقبرة.


*

    

فمضيت

لأن التائه لا يبقى مكانه

مضيت فقط

ولم يجدني أحد.



■ ■ ■



خزانة بابها مفتوح


وحيدٌ كساعةِ حائطٍ تتوسّطُ الليل

كمصباحٍ مشنوقٍ من السقف

كمروحةٍ في الشتاء، كمدفأةٍ في الصيف

كسلةِ مهملات في زاوية الغرفة

كسجادةٍ قديمة على عتبةِ البيت

كجَنينٍ في بطنِ الحياة

ككابوسٍ مفزع يتعقبُ الأحلام

ككلبِ حراسة مُقيّد

كساقٍ بُترت لسبب تافه

كألعاب نارية في هدوء النهار

كقوس قزح في صخب الليل.


*

    

وحيدٌ كما لو أنني لم أعرف أي فن في حياتي

وحيدٌ كما لو أنني أول الوحيدين

كما لو أنني آخرهم.


*    


وحيدٌ

كسريرٍ لا غطاءَ عليه

كنافذةٍ لا تطلُّ على نورِ الشمس أو أي نجمة

كنافذةٍ ليس بوسعها الاحتماء من المطر

كبابٍ مُقفلٍ على الدوام

وحيدٌ كنائمٍ يرجو الموت

ولا يموت.


*


ليتني بلاطة على الأرض

ليتني حجر في الحائط

أو ليتني أبقى أنا في كل مكان وكل وقت

لا أتلوّن ولا أتلوّى.


*


وحيدٌ ومهزومٌ جداً

لم يهزمني منهم أحد

هزموني جميعاً

حين أصبحوا على قلبي كُثر.

وها أنا أكتبُ الآن ما كان عليهم أن يكتبوه.

أنا الأفعى التي بلا جُحر

والتي لدغت نفسها مراراً.

أنا الخزانة التي تُرك بابها مفتوحاً

كما لو أنها حاوية نفايات.


*


الوحدة والهزيمة في غرفتي صديقان

ولا أحد يعرف الليل فيها أكثر من النهار.



■ ■ ■



سماء الدير صافية


سماء الدير صافية؛

لستُ محتاجاً لأنظر إلى أعلى لأراها.


*    


طريقي إلى الدير تبدأ بهواءٍ لا ينتهي

كم أشعرُ بالأمان

حين أقعُ تحت حصار النخيل

تُذكَّرني دائماً بأبي وهو يشير إليها كأنها الدليل:

ها قد وصلنا دير البلح.


*    


أصل الآن وحدي يا أبي

وأرى يدي تشيرُ بيدك

فيتساقطُ الشِّعر من خاطري 

كأني غريبٌ لم يجد غُربةً هنا، ويودُّ الإقامة

ليكملَ عدَّ الألحان في كل وجهٍ وفي كل زاوية.


*

    

وحين يتسرّب الغاز كله من أنبوبة الوقت

فيحين الرحيل

يرافقني البحر طوال الطريق

شارحاً لي بلونٍ واحدٍ وصوتٍ واحدٍ

المعنى الوحيد للحياة.


*

    

أبقى هناك طويلاً قبل أن أغادر فعلاً.

اسألوا التعب، سيردّ بسرعة:

نعم، ليس هناك من سبب كي أغادر.


*


ماضياً إلى الأرض الصافية

قلبي الذي يمشي ويطير

محمّلاً بالحكايات

إلى البيارة، إلى المقام

إلى أطفال لم يملّوا حمل الصفات.



■ ■ ■



كنت يا أبي


أردتُ الآن أن أعترضَ على نبضِ البلاد

قلتَ: لا،

اليوم نَكسرُ، يا حبيبي، قلبنا

وغداً إن استطعنا

نُضمِّده صمتنا.


*    


كنتَ نصفَ لاجئٍ يا أبي

يشتعلُ فيه البقاء وينهار

وكنتُ صغيراً ولا زلتُ

أظنُني ابنكَ البِكر

وأظنُكَ المَلِك.


*


انتظرتُكَ كثيراً عند الباب

كل مرّةٍ اصطدتُ فيها ناياً

كانت تحرسُه السُحب والخراف.

لم يخنْ بابكَ الجدران التي وثقتْ به

ظلَّ واقفاً مكاني يا أبي

وعلّمني أن أعودَ أحلامي،

أكافئ ضياعي باصطيادِ نايٍ جديد!


*


كنتُ صغيراً

تملأني الألوان

وكلما زاد فخرك بي

أنتقصُ لوناً يا أبي.


*


يا بُنيّ، الحياة بحرٌ، مرةً أخبرتني.

الحياة مسبح يا أبي، أخبرتُكَ.

يا إلهي، متى سنُؤمن أن الغرق واحد؟


*    


كنتُ وحياً

وكنتَ أكثرَ من رسول.



* شاعر من فلسطين






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً