هجرة عقول المصارف… ترهيب وتنمّر في "كريدي سويس"

رصد مراقبون في الآونة الأخيرة أن مجموعة الاستثمار المصرفي العالمية الانتشار السويسرية الأصل والمقر، “كريدي سويس غروب إيه.جي” Credit Suisse Group AG، تخسر من كبار موظفيها في فرع الشرق الأوسط بسبب “بيئة العمل السامّة”، على حد وصف بعض المتضرّرين.


فمنذ بداية عام 2019، تشير المعلومات إلى أن ما لا يقل عن 5 من كبار المصرفيين وأكثر من 20 مدير علاقات مبتدئ قد تركوا العمل لدى المجموعة في الشرق الأوسط وأفريقيا، علما أن بينهم من كان يُشرف على نحو 6 مليارات دولار من أصول العملاء.


لكن ما المقصود بـ”سمّية” بيئة العمل هنا؟


يُستخلص من زُبدة تحقيق أجرته “بلومبيرغ” في هذا الملف، أن “الغاية تُبرّر الوسيلة”، فما دام أسلوب المسؤول الأعلى يحصد عشرات مليارات الدولارات من الأرباح للشركة، لا بأس إن كان هذا الأسلوب سيئا معكّرا لمزاج مرؤوسيه حتى لو تقدموا باستقالاتهم، فالنتيجة النهائية إيجابية للمستثمرين!


كان لافتا في اجتماع دائرة المبيعات في مايو/أيار الماضي، توجّه الرئيس التنفيذي الأعلى للمجموعة في الشرق الأوسط، برونو ضاهر، بكلام غير معتاد حيث اعتذر من الحاضرين، معربا عن أسفه لأنه قال سابقا إنه سيوجّه مسدسا إلى رؤوس مصرفييه ما لم يحسّنوا الأداء، مبررا ذلك بأن تعبيره كان مجازيا على سبيل الاستعارة.


إعرابه عن الندم بدا مُدهشا لأنه جاء متناقضا تماما مع نهجه المعتاد. فوراء كواليس الشركة التي تسعى إلى تحقيق ثروات في المنطقة، اشتهر ضاهر بالاستعراض الناري والأسلوب الهجومي المباشر المليء بالشتائم.




وبحسب أشخاص عملوا معه، ألقى ضاهر ذات مرة علما سويسريا في سلة المهملات وتوجّه بتهديدات أدت إلى شكاوى من موظفيه.


بيد أن أسلوب ضاهر الإداري، رغم ذلك، ساهم في بناء أعمال تجارية بقيمة 75 مليار فرنك سويسري “تعادل 82 مليار دولار”، وجعل المجموعة المصرفية قوة إقليمية في الشرق الأوسط على مدى 15 عاما، كما جذب إليه زمرة مخلصة من المساعدين الذين تبعوه من “ميريل لينش”، وتمكّن من ترسيخ علاقات عميقة مع أهم أفراد العائلات المالكة والمديرين التنفيذيين في دول الخليج.


إلا أن بعض الموظفين ضاقوا بأدائه ذرعا، والأرض بدأت تتحرّك من تحت إمبراطوريته، فمكان العمل الذي يُحرّكه هرمون “التستوستيرون” والذي ميّز صناعة التمويل الحديثة أصبح موضع مساءلة على نحو متزايد، في الوقت الذي يكافح فيه المسؤولون التنفيذيون في “كريدي سويس” من أجل الاحتفاظ بأفضل المواهب والنجاح في التعافي من سلسلة أخطاء، بما في ذلك انهيار شركة “غرينسيل كابيتال” Greensill Capital، وهي شريك سابق في استراتيجية لإدارة أصول تُقدّر بنحو 10 مليارات دولارات كان ضاهر وفريقه قد دعمها بقوة.


الأداء الإداري هذا كان سببا في استقالة 5 مصرفيين كبار وأكثر من 20 مدير علاقات عامة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال أقل من 3 سنوات.


وعلى نطاق أوسع، تعهّد رئيس مجلس الإدارة، أنطونيو هورتا أوسوريو، بإجراء مراجعة عالمية لاستراتيجية الشركة بعد توليه المنصب في أعقاب اثنتين من الكوارث التي حلّت بالمجموعة، إذ أدى انهيار شركة الوساطة المالية “أركيوس كابيتال مانجمنت” Archegos Capital Management إلى تكبد البنك خسائر بقيمة 5.5 مليارات دولار، وذلك إثر انهيار “غرينسيل” الذي قد يرتب أعباء على العملاء من ملياراتهم الخاصة.




ترهيب وتنمّر… وشكاوى


لاستجلاء الصورة من كثب، استطلعت “بلومبيرغ” رأي 26 شخصا قالت إنهم على دراية بأعمال صنع الثروات في الشرق الأوسط وأفريقيا داخل المجموعة، بمن في ذلك موظفون سابقون وحاليون وعملاء وباحثون عن كفاءات، تحدثوا عمّا سمّوه “بيئة مكتب سامة يحيط بها الترهيب والتنمّر”، وقالوا إن الضغط من أجل إنجاز المهام دفع ببعضهم إلى المخاطرة المفرطة التي ساهمت في ترتيب الخسائر على العملاء.


بعض هؤلاء قال إنهم عانوا من أعراض جسدية، مثل آلام الصدر، وأصيبوا بصدمات نفسية حتى لمجرّد تذكر تجربتهم في العمل تحت قيادة ضاهر الذي قُدّمت بحقه 3 شكاوى خلال السنوات الخمس الماضية، بدعوى سوء المعاملة، إما منه أو من كبار مساعديه، وفقا لستة أشخاص تحدثوا إلى “بلومبيرغ”، فيما بقي مصير الشكاوى مجهولا.


وقال مصرفيون سابقون وحاليون إنهم على استعداد للتحدث عن تجربتهم في ظل إدارة ضاهر الآن، لأن آفاق حياتهم المهنية لم تعد مرتبطة بشدة بالمجموعة، إذ باتت لديهم خيارات محتملة للعمل في مصارف أُخرى تعتزم التوسّع في المنطقة، بما في ذلك “يو.بي.إس غروب” UBS Group AG و”يوليوس باير غروب”Julius Baer Group Ltd و”غولدمان ساكس غروب”Goldman Sachs Group Inc، مع أنهم طلبوا عدم نشر أسمائهم خوفا من تدابير عقابية بحقهم.


الإدارة تنفي “المزاعم”


ضاهر امتنع عن التعليق عبر محامي الشركة، فيما أصدر “كريدي سويس” نفيا تاما عندما طُلب منه التعليق على الروايات الواردة في تحقيق “بلومبيرغ”، رافضا بشدة ما اعتبره “مزاعم لا أساس لها من الصحة أو كاذبة أو مجتزأة تماما من سياقها”.


وأشار إلى أن البنك رائد في إدارة الثروات في الشرق الأوسط تحت قيادة ضاهر القوية منذ عام 2006، مشيدا بفريقه الذي حصد الفوز في العديد من جوائز القطاع، في حين تمّت مراجعة الأعمال بشكل منتظم من خلال الامتثال والتدقيق، و”أثبتت النتائج فعالية وكفاءة الضوابط وثقافة العمل”.




“إما معي أو ضدي!”


وبحسب بعض الذين تك استطلاع رأيهم، فإن ضاهر غالبا ما يبلغ موظفيه بأنهم إما معه أو ضده ويتمنى لهم التوفيق في العثور على وظيفة في مكان آخر، فيما يتذكر بعض الموظفين السابقين التهديدات بتدمير حياتهم المهنية، مثل نشر ردود فعل سلبية في السوق أو بدء تحقيقات مع موظفين مغادرين لمحاولة استرداد المكافآت.


ومما يزيد الأمور تعقيدا أن تأشيرات العمل في المنطقة تنتهي غالبا بحوالي شهر أو أكثر من فقدان الوظيفة، ليقول العديد من الموظفين إنهم تعرضوا لضغوط بشأن احتمال الاضطرار إلى نقل عائلاتهم بعد سنوات من الاستقرار والتجذر.


فريق ضاهر “الخُماسي”


وتضم الدائرة الداخلية لفريق عمل ضاهر الأساسي سابقا وحاضرا، 5 من كبار المسؤولين هم:


1 – راج سيغال


رئيس دائرة أفريقيا لمدة 15 سنة. هو بمثابة ساعد ضاهر الأيمن، يعرفان بعضهما منذ 26 عاما إذ عملا معا في “ميريل لينش”. يقول الموظفون إن سيغال يوازن أسلوب إدارة ضاهر القاسي، فهو يعرف كيفية توجيه صغار الموظفين ويتسم بسلوك مهذب مع جميع الموظفين.


2 – سامينا جفري


رئيسة قسم الاستشارات والمبيعات في الشرق الأوسط وأفريقيا وتركيا: تعمل منذ 14 سنة، وتقود الاستشارات الاستثمارية واستراتيجية المبيعات للعملاء الأثرياء في المنطقة. أشخاص يعرفونها قالوا إنها تترأس اجتماعات المبيعات الأسبوعية، لكنها غالبا ما تمهّد الطريق لضاهر. وقد سبق أن أمضت 16 عاما في “ميريل لينش” قبل أن تنضم إلى “كريدي سويس” في عام 2007.




3 – فادي عيد


العضو الإداري المنتدب، مسؤول السوق لدول مجلس التعاون الخليجي ورئيس مجلس الإدارة المدير العام لفرع لبنان. عمل في المجموعة مدة 14 سنة قبل أن يغادرها قبل أشهر، مع أنه من أقرب المقربين إلى ضاهر. وقال أشخاص يعرفونه أن عيد كان متلقيا لبعض توجيهات ضاهر وتلميذا لأسلوب إدارته، وسبق له أن أمضى 16 عاما في “ميريل لينش”.


4 – كريستيان زوين


العضو المنتدب، مدير العلاقات في الإمارات. عمل في المجموعة 13 سنة، وهو زميل مقرب آخر من ضاهر منذ أيام “ميريل لينش”، وقد غادر البنك في وقت سابق هذا العام.


5 – بولين كاهيل


العضو المنتدب لإدارة استراتيجية التوظيف لقسم الثروات الدولية. تعمل في المجموعة منذ 14 سنة، وقد انتقلت إليها من “ميريل لينش” في عام 2006. يقول من يعرفها إنها زميلة رئيسية لضاهر، ومسؤوليتها التعامل مع التوظيف والتسريح.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً