هجمات "داعش" في العراق: التنظيم يستغل خلافات بغداد وأربيل

يتواصل المشهد الأمني في مناطق شمالي العراق بالاهتزاز نتيجة هجمات تنظيم “داعش”، والتي تصاعدت وتيرتها منذ مطلع الشهر الحالي، مخلفة حتى الآن نحو 30 قتيلاً وجريحاً من قوات البشمركة، وأكثر من 15 آخرين من الأمن العراقي.


وتتركز هجمات تنظيم “داعش” في العراق في ما يعرف بـ”المناطق المتنازع عليها”، وهي المدن والبلدات التي تختلف بغداد وأربيل على إدارتها منذ الغزو الأميركي للبلاد في العام 2003، وأبرزها كركوك ومخمور وزمار وخانقين والطوز، ضمن محافظات نينوى وكركوك وديالى وصلاح الدين، شمال وشمال شرقي العراق.


وعلى الرغم من بذل التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، خلال العامين الماضيين، جهوداً كبيرة من أجل التوصل إلى اتفاق بين الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان العراق لإدارة تلك المناطق أمنياً، ومنع تكون الفراغات التي تسمح بوجود مسلحي وبقايا التنظيم فيها، إلا أن أي نتائج عملية على الأرض لم تظهر. ويعزو مراقبون ذلك لتقاطعات سياسية كبيرة.


سيطر عناصر “داعش” على قرية لهيبان لعدة ساعات


وتبلغ مساحة المناطق المتنازع عليها أكثر من 40 ألف كيلومتر مربع ويقطنها ما يزيد عن 3 ملايين نسمة من مكونات عراقية مختلفة، كردية وعربية وتركمانية، من ديانات ومذاهب مختلفة.


وتضمن الدستور العراقي الجديد في العام 2005 مادة عرفت باسم 140، تنص على تنظيم استفتاء شعبي لسكان هذه المناطق لتخييرهم بين البقاء مع بغداد أو الذهاب مع أربيل. لكن أسباباً سياسية وأخرى اجتماعية، أبرزها عمليات التغيير الديموغرافي المتعددة، حالت دون تنفيذ هذا البند الدستوري.


يشار إلى أن رئيس الحكومة العراقية الأسبق حيدر العبادي كان أعلن في العاشر من ديسمبر/ كانون الأول 2017، تحرير العراق من “داعش”، بعد سيطرة القوات العراقية بشكل كامل على الحدود مع سورية، إثر معركة أخيرة تمّ خلالها تحرير مدينة القائم غرب البلاد.


اجتماع بين القوات العراقية والبشمركة لمواجهة “داعش”


ومن المقرر أن يعقد اليوم، الثلاثاء، قادة عسكريون من الجيش العراقي ونظراؤهم في قوات البشمركة اجتماعاً جديداً، هو الثاني من نوعه في غضون يومين، لبحث إمكانية الاتفاق على خطة عسكرية لإعادة انتشار مشتركة في المناطق المتنازع عليها، تهدف لمواجهة مسلحي “داعش”.




لكن رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور البارزاني استبق هذا الأمر بتصريحات غاضبة، يوم الجمعة الماضي، قال فيها “لن ننتظر أحداً”، في إشارة إلى أنهم سيتحركون باتجاه تأمين هذه المناطق بمفردهم في حال استمر تأخر بغداد في هذا الأمر. وأوضح أن “هناك قراراً لتشكيل لواءين مشتركين بين قوات البشمركة والقوات العراقية في المناطق المتنازع عليها. لكن الخطوات العملية لم تنفذ، ولهذا سوف لا ننتظر، وسنتخذ ما يلزم لحماية هذه المناطق”.


وكان الهجوم الأكثر دموية قد وقع ليلة الخميس الماضي، وخلف 13 قتيلاً، بينهم 3 مدنيين، أحدهم طفل، نفذه مسلحو تنظيم “داعش” على قرية قرب بلدة مخمور، قبل أن تتجدد مساء الأحد هجمات جديدة أكثر عنفاً في كركوك، اضطر بسببها سكان قريتي لهيبان والسلامية إلى الفرار ليلاً، بسبب اقتحام مسلحي التنظيم ومهاجمتهم منازل عدة داخل القريتين.


وهذه المرة الأولى التي يسيطر فيها “داعش” على قرية في العراق لعدة ساعات منذ العام 2017، إذ أكدت تقارير أمنية عراقية سيطرة المسلحين على لهيبان لساعات، قبل انسحابهم منها فجر أمس الاثنين إلى جهة مجهولة.


البشمركة تحمل بغداد مسؤولية هجمات “داعش”


وحمل الأمين العام لوزارة البشمركة جبار ياور، في حديث لـ”العربي الجديد”، الحكومة العراقية في بغداد مسؤولية استمرار هجمات تنظيم “داعش”، وانتقد تأخر تنفيذ الكثير من الاتفاقات السابقة التي جرى التوصل إليها، ومنها تشكيل قوات مشتركة لتأمين تلك المناطق، معتبراً أن حال تلك المناطق كان أفضل بكثير عندما كانت تحت سيطرة البشمركة.


لكن مسؤولاً كردياً في مدينة أربيل أكد، لـ”العربي الجديد”، أن التقرير الأمني للهجمات الأخيرة يؤكد أنها انطلقت من مناطق غير مسكونة، وتحديداً من جبال قره جوخ ومناطق قرب “كلي سالم”، و”شيخ بزيني”، و”التون كوبري”، إضافة إلى جبال حمرين.


بدر الزيادي: هناك حاجة لتمكين الجيش العراقي في المناطق المتنازع عليها


وبين أن “المعلومات المتوفرة تؤكد أن الهجمات تنفذها مفارز لا يتجاوز عدد عناصرها ما بين 6 و8 أشخاص بطريقة خاطفة، إذ يضربون ويحرقون وينسحبون، مستفيدين من معرفتهم بالمناطق الجبلية والليل والفراغات التي تصل إلى 20 كيلومتراً، من دون أن يواجههم أي حاجز أو ثكنة عسكرية أو أمنية”، وتحدث عن أن أعدادهم ليست كبيرة، ويعتقد أنهم من الذين تسللوا أخيراً من مناطق سيطرة نظام بشار الأسد على الحدود العراقية السورية، وجميعهم عراقيون.


واعتبر المسؤول الكردي أن “أحد أسباب تأخر بغداد في تنفيذ خطة انتشار الجيش العراقي والبشمركة هي فصائل مسلحة معروفة تريد إبقاء تلك المناطق مفتوحة، لمصالح كثيرة ومعروفة، بينها تهديد مطار أربيل الدولي، الذي تعرض لعدة هجمات من تلك المناطق في الفترة الأخيرة”.


إبعاد الفصائل العراقية عن المناطق المتنازع عليها


وقال عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان السابق بدر الزيادي إنه “لا يمكن استبعاد الأثر السياسي المضطرب بين حكومتي بغداد وأربيل عن الهجمات الحالية على البلدات والمناطق المتنازع عليها”.


وأكد، في اتصال مع “العربي الجديد”، أن “هناك حاجة لتمكين الجيش العراقي في تلك المناطق، وإبعاد أي قوات غير نظامية أو فصائل مسلحة عن هذا الملف، والتنسيق المشترك مع قوات البشمركة لغرض تأمين تلك المناطق. أما بالنسبة لعودة قوات البشمركة للمناطق المتنازع عليها فهو أمر محسوم حكومياً منذ أيام حكومة حيدر العبادي، وأي تعديل على هذا القرار يحتاج إلى موقف حكومي أيضاً”.


من جهته، لفت الخبير الأمني طارق العسل إلى أن “هناك الكثير من المناطق المتنازع عليها تمثل نقاط انطلاق العمليات الإرهابية، مثل جبال حمرين وبعض مناطق كركوك، ومنها الحويجة والدبس والزاب القريبة من الحدود مع أربيل”.


وأوضح العسل، في حديثه لـ”العربي الجديد”، أن هجمات تنظيم “داعش” على الجيش العراقي وقوات البشمركة تعود أسبابها إلى ضعف التنسيق بين القوات، إضافة إلى تدخل المزاج السياسي في العمل الأمني والعسكري في بعض الأحيان، ناهيك عن إهمال ملف مهم، وهو إشراك الأهالي في حماية مناطقهم، حيث لا بد من تمكين الأهالي من أجل توفير المعلومات للسلطات، وليس اتهام الأهالي بأنهم حواضن لداعش أو متعاطفون مع الإرهابيين، كما يحدث في بعض المناطق”.


وتستغل السلطات في إقليم كردستان العراق أي مناسبة، سواء هجمة إرهابية أم مشاكل سياسية في المناطق المتنازع عليها، للتذكير بأحقية حكومة الإقليم بالاشتراك إلى جانب بغداد في إدارة ملفات المحافظات.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً