هموم شعرية: مع علي أبو عجمية

تقف هذه الزاوية مع شاعر عربي في علاقته مع قارئه وخصوصيات صنعته، ولا سيما واقع نشر الشعر العربي المعاصر ومقروئيته. “يُضعف الشعر العربي عزلة المشتغلين به وقلة الثقافة” يقول الشاعر الفلسطيني في حديثه إلى “العربي الجديد”.

■ من هو قارئك؟ وهل تعتبر نفسك شاعراً مقروءاً؟
القراءة فعل خاص يصل إلى حدّ السرية. ولعلّه يتماهى مع فعل الكتابة في مستوى تمثلاتها من ناحيتي الفرادة والتوليد. وأظن أن التلقي عبر القراءة يأتي من خارج الذات المقروءة، لا من داخل الفعلين المتقابلين والمتكاملين: القراءة والكتابة. وبهذا المعنى، لا أستطيع تحديد هوية قارئي، ولا أعرفه تماماً. لدي قراء أعرفهم بالطبع، وأعتبر نفسي مقروءاً في مستوى ما. لكن في الحقيقة لا تشغلني مسألة القارئ بقدر ما تشغلني مسألة الكاتب. من السهل أن تجد القارئ، لكن من الصعب أن تجد الكاتب الذي يخلق قراءه بنفسه. هذا رهان الكتابة تجاه قرّائها، أن تأتي بالقارئ إليها، ومن داخلها، لا أن تذهب إليه. أما البؤس فهو أن تتوسّله أو تستجديه.

■ كيف هي علاقتك مع الناشر، هل لديك ناشر، وهل هو الناشر الذي تحلم به لشعرك؟
نشرت مؤسسة عبد المحسن القطان مجموعتي الأولى بالشراكة مع الدار الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان. وقد نشرتُ مجموعتي الثانية مع الدار نفسها. ولعلّ عِنايتها بتصميم الأغلفة وإخراج مطبوعاتها وتنوّع مشاركاتها في المعارض هو ما يغريني للاستمرار في التعامل معها. كما أُفكر بالتعاون مع ناشرين آخرين في المستقبل. لا أحلم بناشر عربي قياساً إلى ما نسمعه عن ناشرين في أوروبا وأميركا ودول أخرى حول العالم. أتفهم تجارة الكتاب وسوقه. ربما كان على الناشر المساهمة في تغيير معايير هذا السوق، وصناعة مكانة تستند إلى القيمة من التسويق، لا العائد من ثنائية: العرض والطلب.

■ كيف تنظر إلى النشر في المجلات والجرائد والمواقع؟
أعتبره مُهمّاً وضَرورياً. ليس ثمة بدائل لها إلا تلك المبذولة والمتاحة للجميع. من جهةٍ، أنحاز إلى التعيين الدقيق لفكرة المُحرّر المتخصص، والحمولة النقدية المتصّلة به. ومن جهةٍ أخرى، أنحاز إلى النوستالجيا الكامنة في فكرة المجلة الدورية، وروح الجريدة المواظبة على الزمن، وسلطة الموقع عبر علاقتها بسلطة متابعيه وخصومه وما يخلقه من حيّز تداولي وسجالات نافعة.

■ هل تنشر شعرك على وسائل التواصل الاجتماعي، وكيف ترى تأثير ذلك في كتابتك أو كتابة زملائك ممن ينشرون شعرهم على وسائل التواصل؟
نعم، أنشره على صفحتي في فيسبوك. التأثير جيد بالمجمل. لقد تصالحت مع الإيقاع السريع لهذه الوسائل في مرحلة ما. لكن أميل، في الفترة الأخيرة، إلى البطء والهدأة وتجنب الكتابة الفورية والنشر المباشر. أظن أن على الشعراء تفحّص نصوصهم المستعجلة، واستقراء مسالكهم، عموماً، في الفضاءات الرقمية. لا بأس من استعادة ممارسة “الحوليّات” على طريقة زهير بن أبي سلمى، وتخمير عجينة المادة الشعرية أكثر فأكثر، وإنضاج التجربة في الأدراج المهملة وملفات الحاسوب المسكونة بالضجر. ثمة رداءة كبيرة، أيضاً، تحيط بنا. وقد ساهمت في تعزيز حضورها هذه الوسائل. لكن ليست المشكلة في الرداءة بحد ذاتها، بل بالالتفاف حولها. بمعنى اكتسابها لشرعية ما. ذلك أن وجودها – ولا بد لها أن تكون – يفترض وجود مزيد من الحريات في التعبير والحقوق في الممارسة. أما وأنها قد تحولت إلى أكثرية، وتعرف نفسها بناءً على ذلك؛ فهذه هي الجهالة الوقحة التي يراد تعميمها.

■ من هو قارئ الشعر العربي اليوم في رأيك؟
قارئ الشعر العربي اليوم هو من لا يطالب كاتبه برسالةٍ ما. وهو، أيضاً، من لا يضع هدفه داخل مرماه؛ إذ يركض في ملعب اللغة والفكر والمُخيّلة.

■ هل توافق أن الشعر المترجم من اللغات الأخرى هو اليوم أكثر مقروئية من الشعر العربي، ولماذا؟
يمكن التعاطي مع القصائد المترجمة عن لغات أخرى بوصفها نصوصاً مترجمة لا نصوصاً شعرية. الأفكار والغرابة والدهشة المتولدة عنهما هي مصدر التلقي الوحيد فيها. وبالتأكيد لا وجود للصورة بالمعنى العربي للصورة على الأقل. فترجمة صورة معينة عن شاعر يكتب بلغة غير العربية يحتاج مترجماً بحمولات كافية من المجاز والاستعارة وأدوات الشاعر المدرب. ذلك يعني أنه مطالب بتركيب صورة جديدة لا تنتمي بالضرورة إلى الصورة الأصل. فالترجمة الخارجية والقشرية لا تحمل طاقة اللغة المنقول إليها ولا حرارة مفرداتها ولا طريقة بنائها. ولذا كانت معظم الترجمات ضعيفة وباردة ولا تنتمي قاموسياً إلى صحبة وعائلة وبيت. وعليه لا أوافق أصحاب هذا الرأي الانطباعي.

■ ما هي مزايا الشعر العربي الأساسية وما هي نقاط ضعفه؟
لعلّ من مزاياه الأساسية ذاكرته الغنية وإرثه الكبير وقاموسه الحضاري. لا أرى أن في بنيته – المتحركّة – وطواعيته في الاشتغال الفني نقاط ضعف يمكن الإشارة إليها. أظن أن ما يضعفه في المستوى العام: ضعف الثقافة، وتشظي حضورها، وسوء الاستثمار بها. وفي المستوى الخاص: عزلة المشتغلين به وإشفاقهم عليه من الأضواء الضارّة.

■ شاعر عربي تعتقد أن من المهم استعادته الآن؟
أُحب استعادة عروة بن الورد؛ لنبله في التعبير عن المسافة بين الشِّعر والواقع، وصعلكتهِ الضرورية في سياق الثورية الراهنة. وأنشد معه قوله: ” فيا للناسِ كيف غلبتُ نفسي .. على شيءٍ، ويكرههُ ضميري”.

■ ما الذي تتمناه للشعر العربي؟
أن يتعافى من الارتجال وأن يستند إلى التنظير والدرس النقدي دون الاستخفاف به أو التعالي عليه، وأن يتحرّر من البلاغة الحديدية وقيود المؤسسات التي تساهم في توظيفه ونمذجته باعتباره وسيلة للتطريب الماضوي أو التسليع الجديد.

بطاقة
شاعر فلسطيني من مواليد مدينة الخليل عام 1988 ويعيش فيها. صدر له: “سَفرٌ ينصت للعائلة” (الدار الأهلية للنشر والتوزيع، 2013)، “نهايات غادرها الأبطال والقتلة” (الدار الأهلية للنشر والتوزيع،2017)، وهو العمل الذي حاز على جائزة فلسطين التقديرية في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية (فرع الآداب) في العام 2017. درس الهندسة الكهربائية، وإلى جانب الشعر يكتب المقال الثقافي والنقد الأدبي.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً