هند بوجمعة: أنا مع المرأة لكن من دون ظلم الرجل

نورا امرأة مكافحة من الطبقة الشعبية. تكدح يوميًا لرعاية أولادٍ ثلاثة. تبهجها لحظات مسروقة من هموم الحياة للقاء حبيب رقيق، تنتظر معه صدور حكم بطلاقها من زوج حبيس السجون. تنقلب حياتها عند خروج رجلها من السجن، بعفوٍ رئاسي مفاجئ.

“حلم نورا”، أول روائيّ للتونسية هند بو جمعة، المُشارك في الدورة الثالثة (19 ـ 27 سبتمبر/ أيلول 2019) لـ”مهرجان الجونة السينمائي“، في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة. عن دورها فيه، فازت هند صبري بجائزة أفضل ممثلة. هذه ليست أول جائزة لفيلم المخرجة، فالوثائقيّ الطويل الأول لها، “يا من عاش” (2012)، فاز بجائزة أفضل إخراج، في الدورة الـ9 (9 ـ 16 ديسمبر/ كانون الأول 2012) لـ”مهؤجان دبي السينمائي الدولي”، و”فتزوّج روميو من جولييت” حاصلٌ على جائزة أفضل روائي قصير من المهرجان نفسه، في دورته الـ11 (10 ـ 17 ديسمبر/ كانون الأول 2014).

في “الجونة”، التقت “العربي الجديد” المخرجة وكاتبة السيناريو بو جمعة، فكان هذا الحوار.

هل يمكن القول إنّك أخرجت أول فيلم روائي طويل متأخّرة بعض الشيء؟ لمَ جاء الآن فقط؟
خرجت وبيدي الكاميرا للمرّة الأولى في بداية الثورة التونسية، في الأول من يناير/ كانون الثاني (2011). كنتُ فضولية، فصوّرت كلّ ما صادفني. ثمّ تعرّفت على امرأة في المظاهرات تحمل حقيبة، بداخلها مطرقة. كانت تبحث عن بيتٍ، لأنّها تُقيم في الشارع مع أطفالها. جذبتني حكايتها، إلى درجة أنّي ركّزت التصوير عليها خلال عام. حين طلبتُ من منتجين مشاهدة ما صوّرته، أدركتُ أنّ هذا ما كان عليّ فعله منذ زمن، فقرّرت متابعة دروس وورشات عمل في هذا المجال، فأنا تقنيّة في السينما، لا مخرجة. الرغبة في الكتابة تراودني دائمًا، بسبب ثقافة ومؤهّلات أدبية. كتبتُ “تحت الجنة”، سيناريو فيلم روائي قصير، فاز في “أيام قرطاج السينمائية” عام 2010. لكن، حين قامت الثورة، توقّفت المشاريع كلّها، وبرز الوثائقي على حساب الروائي.

قلتِ إنّك عملتِ في تقنيات السينما. كيف دخلتِ هذا العالم؟
صدفة. عملتُ في الأزياء والمؤثّرات الصوتية. حين بدأتُ إنجاز الأفلام، أدركتُ أنّي لا أستطيع فعل شيء آخر. أنجزتُ فيلمًا وثائقيًا بعنوان “يا من عاش”، نال في “مهرجان دبي” جائزة الإخراج. حين فاز فيلمي القصير “فتزوّج روميو من جولييت”، في المهرجان نفسه، تساءلت عمّا إذا كان عليّ الاستمرار في الروائي أو الوثائقي. ثم أدركتُ أنّ لكل حكاية وسيلة، هي الأفضل لروايتها. هناك مواضيع تفرض نوع معالجتها. يمكنني القول إنّي شعرتُ براحة مع الروائي.

خيانة الزوجة موضوع حسّاس، لا تتطرّق إليه السينما العربية بهذا الوضوح.
بدأتُ كتابة “حلم نورا” عام 2015، وتابعتُها العام التالي. حين اشتغلتُ الوثائقي، كنتُ على أرض الواقع، وتعرّفت على صعوبات حياة النساء. في “حلم نورا”، ربما الزوج هو من خانها، فباختياره حياة اللصوصية والاحتيال، خان أحلامها في عيش حياة طبيعية. على أية حال، موضوع الفيلم متعلّق بالحبّ لا بالخيانة، ويطرح أسئلة على المجتمع لا على القوانين. فالمجتمع يُجبِر امرأةً على البقاء مع زوج تعيش معه حياة جهنمية، وهذا من أجل العائلة. هي تتألّم، فلمَ لا تحلم برجل يمنحها حياةً أفضل؟ لمَ الحكم عليها لمجرّد رغبتها في توفير حياة ملائمة لها ولأطفالها؟ لمَ على المرأة أن تعاني دائمًا؟ ألا يرحل الرجل عندما يعاني؟

ليس غرضي الدعوة إلى هذا، لكنّي مع المرأة التي تكابد ظلمًا مع الرجل، وتخاف من المجتمع. نورا بقيت، وأعطت زوجها فرصة أخرى، لكنّه استمرّ في الخداع والتحايل. هي ترغب فقط في التخلّص من وضعٍ سيئ، كي تعيش بشكلٍ أفضل.

نعم، طُرح الموضوع بوضوح. في مجتمعنا، ننظِّف عادة بإخفاء الغبار تحت السجادة. الآن، كفى. لنرفع السجادة وننظر تحتها، قائلين: حسنًا، ما الذي علينا أنْ نفعله؟ بالتأكيد التوقّف عن رمي المسؤولية على الآخرين، وإعطاء دور أكبر للتربية والحوار. على الثورة أن تكون هنا (تشير إلى الرأس)، فهي ليست سياسية فقط.

كيف فرض الموضوع نفسه عليك؟
يستوحي السينمائيون من الحياة والقراءة. أقرأ خبرًا، أو قصّة، أو مقالة، فيمسّني أحدها بشكلٍ خاص. مع “حلم نورا”، إنّه الشعور بالثورة والإهانة إزاء وضع هذه المرأة، التي عليها البقاء مع زوجها رغم عنفه وجنوحه.

هل تهتمّين اهتمامًا خاصًا بشرط المرأة في تونس والعالم العربي؟
في تونس، هناك قوانين تقف إلى جانب المرأة، غير موجودة في البلدان العربية. لكنّي لا أهتم بالمرأة فقط، فوضع الرجل يهمّني أيضًا. هناك نظرة غربيّة مثلاً تفيد أنّه ذكوري وغير متسامح. فيلمي يعبّر عن الأحاسيس، ويقول إنّ الرجال قادرون أيضًا على الحبّ والتسامح، والأسعد (حبيب نورا) مثلٌ على ذلك. نعم، أنا مع المرأة، لكن من دون ظلم الرجل. مللتُ من النظرة الغربيّة السلبية للرجل الشرقي.

هل تسعين إلى تغيير وجهات النظر حول قضية المرأة مثلاً، والرجل أيضًا، كما ذكر؟
ليس بمقدوري تغيير المجتمع. ما أفعله هو سينما قبل أيّ شيء آخر. أناضل اجتماعيًا في حياتي الخاصة، أما في السينما، فأبحث عن شيء آخر. عن الفن والصورة والإنسان والفضول والعلاقات. أعرض قصّة، كما يفعل غيري، تسمح بنوعٍ من نقاش، أحرّض من خلاله على التفكير. يلزم مليون شخص على هذا المنوال، ولأعوام طويلة، كي يحصل تغيير ما.

في النهاية، ظنّ البعض أنّ الأحداث حلمٌ، وتضايق آخرون من النهاية المفتوحة، وهي باتت دائمة في الأفلام. لمَ اخترتِ هذه النهاية الغامضة؟
ما حدث ليس حلمًا، بل حقيقة في حياة نورا. هذه الطبقة دائمًا ما تعاني مشاكل. بالمناسبة، أردتُ أيضًا إبراز أنّ هناك طبقات تعاني نقصًا في الثقافة والتعليم، وهذا تحدٍّ يواجه الأمّ في حياتها اليومية، في مسألة متابعة تدريس أولادها. لا حياة هادئة مستقرّة لها. لو وضعتُ خاتمةً محدّدة تتعلّق بالمشهد الأخير، تصبح قصّتي كقصص عالم ديزني، ولن تكون حقيقية، لأن مشاكل حياة نورا تبدأ مجدّدًا، ولن تنتهي. ما تمرّ به مرحلة من الحياة. تطلّقت، ولا أحد يعلم ردّة فعل زوجها. هؤلاء نساء مولودات في العنف، وأمامهنّ جدار من الخوف يتعيّن هدمه. خَتْمُ الفيلم بنهاية محدّدة يجعله كما ذكرتُ كأنّه عالم ديزني ورديّ وبسيط، كلّ شيء فيه على ما يرام. أفضّل عودة المُشاهد إلى منزله محمّلاً بأسئلة.

استخدمْتِ تقنية الكاميرا المتحرّكة كثيرًا، وبسرعة. الألوان قاتمة واللقطات مقرّبة جدًا. أية أجواء أردتِ الإيحاء بها؟
استخدمتُ المونتاج السريع أيضًا، وهذا بغرض خلق أجواء نفسية مشحونة، مع حالة تشويق وترقّب. أردتُ لهند (صبري) أن تكون طبيعية، وأن نقترب من مشاعرها. مثلاً، حين تغمض عينيها، إنْ تكن اللقطة عن بعد، لن تبدي هذا كما يجب. في اللقطة المقرّبة، نبحث عن المشاعر الممكنة كلّها، وعن كلّ رفّة عين ودمعة، وشبح ابتسامة.

هل فكّرْتِ بهند صبري من البداية، أثناء كتابة شخصية نورا.
كتبتُ القصة، وتعمّقتُ بالشخصية. بعد انتهائي منها، بدأتُ أفكّر بالممثلة. كنتُ خائفة من اختيار هند، وأتساءل عن نجاحها في تأدية الدور، إذْ كنتُ أخشى أن تبقى هي على الشاشة، أي هند صبري لا نورا. كنتُ أتساءل إنْ كنّا نستطيع نسيان النجمة خلف الشخصية، فأنا أريد نورا لا هند. من تعليقات الجمهور بعد العرض، استنتجتُ أنّي نجحتُ في هذا.

كيف حضّرتما الدور لتبدو هند كأنّها نورا؟
اجتمعنا كثيرًا لوضعها في الدور. راقبنا نساء هذه الطبقة، لمعاينة أسلوبهن في الحديث والتصرّف والنطق. رفضتُ تمامًا أنْ تضع نورا “زينة” على وجهها، باستثناء مرة واحدة، عند لقائها حبيبها. هذا شَرْطي. ظهرَتْ هند طبيعية تمامًا، وأنا أحبّ المرأة العادية من دون ماكياج، فهي جميلة بطبيعتها.

سيعرض الفيلم في “أيام قرطاج السينمائية” المقبلة. فهل سيعرض في الصالات؟ وكيف تتوقعين استقبال الجمهور التونسي له؟
أنا متأكدة أنّ الإقبال سيكون جيّدًا. نحن نعيش اليوم حرية تعبير، ونطرح القضايا كلّها، ونتناقش، ولكلّ واحد رأيه. هذا تغيير يحدث في المجتمع، ولن يكون هناك إلا النقاش.

لم فضّلتِ أن يكون “مهرجان الجونة السينمائي” (بدورته الـ3) أول مكان لعرض الفيلم؟
بسبب حصولي على مساعدة، فقد نلت جائزة السيناريو العام الفائت هنا، وكان طبيعياً قدومي أولاً إليه.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *