"وجهان للأخلاق": كي لا نعطّل الإحساس بالوجود

يقدّم كتاب “وجهان للأخلاق” أو “الأخلاقين” Les deux morales (منشورات “فرين” الفرنسية، 2019) لمؤرخ الفلسفة والمتخصص في الفلسفة الألمانية، الفرنسي جيرار بنسوسان، مدخلاً غنياً إلى فلسفة الأخلاق كما تطوّرت في السياق الحديث، من كانط، مروراً بهيغل وشوبنهاور ونيتشه ووصولاً إلى ليفيناس، الذي سينطلق منه في كتابه، وهذا الأخير فكر في الإيتيقا بشكل مزدوج، كما بيّن بنسوسان؛ أولاً، عبر موقعتها في “مكان سابق على كل أخلاق معيارية أو زجرية”، وثانياً عبر ربطها بذاتية هي مسؤولية لانهائية تجاه وجه الآخر. وبلغة أخرى، عبر انتزاعها عن كل انهمام بالذات. إن الوجه سابق على الأخلاق، وهو لذلك يستعصي على كل اختزال معياري.

لربما هذا ما سيجعل بنسوسان ينتقل مباشرة للتمييز بين “الأخلاق” و”الإيتيقا”، ويبدأ من نص لبول ريكور بعنوان “الإيتيقا والأخلاق”، كان ضمن كتابه “الذات عينها كآخر”. وضّح ريكور في هذا النص بأنه يخصّص مفهوم “الإيتيقا” للسرديات الفلسفية التي تفكر في الطريق إلى تحقيق حياة خيرة ويخصّص مفهوم “الأخلاق” للجانب الإلزامي المحكوم بالمعايير والواجبات.

نقف هنا أمام ميراثين، كما يوضّح بنسوسان، الميراث الأرسطي، حيث الأخلاق محكومة بوجهة النظر الغائية، والميراث الكانطي الذي يقوم على الواجب. لاحقاً، سيرى ريكور، بأنه غالباً ما يتم النظر إلى الإيتيقا باعتبارها تفكيراً عقلانياً في تقييم السلوكيات والأخلاق التي تشمل القوانين والواجبات والأوامر التي تم القبول بها على المستويين الاجتماعي والثقافي، ولكن برأي ريكور نفسه، فهذا التحديد لا يقول كل شيء، وإيتيقا ليفيناس، وحتى تلك التي يطوّرها جاك دريدا انطلاقاً منه، لا يمكنها أن تندرج في سياق هذا التقسيم الصوري الذي يقدمه ريكور.

فالوجه الليفيناسي مثلاً يقف على النقيض من أخلاق هي العقل كما الشأن عند كانط، أي تلك الأخلاق أو بالأحرى ذلك العقل الذي شكك شوبنهاور في كتابه “أساس الأخلاق” بقدرته على تأسيس الأخلاق، إذ يرى أن الأخلاق بنت المشاعر والأحاسيس، وبنت التجربة، أما العقل، فكما بيّن بنسوسان، يمكنه أن يتحالف مع الشر أو أن يتحول إلى عقل أداتي ليخدم عواطفَ معينة، كنا نعتقد أنه يتحكم بها، ولهذا سيسلط بنسوسان الضوء على موقف جان جاك روسو، وكذلك أرتور شوبنهاور، خصوصاً على ما يسميه بـ “إحساس الوجود” والذي سيدافع عنه بقوة الفيلسوف الفرنسي في كتابه “إيميل”.

إن روسو يدعونا، كما سيفعل من بعده نيتشه إلى تعلم “مهنة الحياة” عبر دراسة “الشرط الإنساني”، لأن “الحياة بنظره، ليست أن نتنفس ولكن أن نفعل، وأن نستعمل أعضاءنا وحواسنا وملكاتنا وكل مكوناتنا التي تهبنا الإحساس بوجودنا. فالإنسان الذي عاش أكثر، ليس هو من عمَّر طويلاً، ولكن ذلك الذي أحسّ أكثر بالحياة”. وكما يكتب بنسوسان: “فبدون هذا الإحساس بالوجود، لن يكون هناك نوع بشري. والعقل لوحده ما كان له أن يحول دون تدهور البشرية وانقراضها”. بل إننا نعثر لدى روسو على ليفيناس سابق على ليفيناس، وعلى فكرته عن إيتيقا كفلسفة أولى، بل وسابق على أدورنو و”جدله السلبي”، وهو ما لم ينتبه له بنسوسان، حين يعلن في “إيميل” أن “اشمئزاز الإنسان الداخلي من رؤية شبيهه يتألم” هو منبع كل الفضائل الاجتماعية، وأن ذلك “مبدأ سابق على العقل”. لقد أعطى روسو الأولوية للألم على التأمل، كما فعل ذلك كل من أدورنو وليفيناس في تمردهما على السياسة التوتاليتارية للمفهوم.

يطرح بنسوسان في مقدمة الفصل الثاني من كتابه سؤالين أساسيين: أولاً، هل الآخرون شرط لكل أخلاق أو يمكننا التفكير في الأخلاق بدونهم؟ وثانياً: هل الأخلاق بنت الحس أم أنه لا يمكن الحديث عنها خارج العقل؟ سيوضح بنسوسان كيف أن كانط، وبالنظر إلى هذه الأسئلة، يمثل مفترق طرق، فقبله يأتي الأخلاقيون الاسكتلنديون وروسو وبعده هيغل، شوبنهاور، نيتشه، فتغنشتاين وليفيناس.

وهو ما يجعل الأخلاق الكانطية في وجه نوعين من النقد، الأول منها يرى أنها عبر اختزالها التشريعي للإيتيقا والنزول بها إلى عقل ذاتي، ستفقد كل صلة بالطبيعة والواقع والتاريخ وهو ما جعل هيغل يتحدث في “أصول فلسفة الحق” ضدها عن أخلاق موضوعية متعينة، والنقد الثاني هو الذي يعبّر عنه نيتشه والذي يرى في الواجب الكانطي محاولة لضبط الفردية الحسية ونوعاً من إعادة الاعتبار للاهوت.

إن تأثير روسو بالاثنين واضح، كما يشير إلى ذلك بنسوسان، هو الذي ظل يتشكك بكل فلسفة عقلانية لا تعير اعتباراً للإحساس، ما سيعبّد الطريق لكل تلك الفلسفات التي تشكك بإمكانية تأسيس الأخلاق قبلياً، من خلال مفاهيم العقل العملي وحده، كما يريد كانط. وهذا أيضاً ما جعل بنسوسان يرى في المشروعين الأخلاقيين الكانطي والليفيناسي مشروعين متعارضين: “يبحث كانط عن شيء كالتزام ذاتي، وهو في الواقع يقف على النقيض من فكر ليفيناس بشكل كلي، هذا الفكر المرتبط بإمكانية حرية هيتورونومية”. (الهيتورونوميا هي هنا بمعنى المسؤولية أمام الآخر وليس بمعنى التبعية)، ويظل الالتزام أمام العقل من طبيعة صورية، في حين يربطنا الالتزام أمام الوجه بالتجربة الحسية أو بسؤال الغيرية.

فالآخر، في الأخلاق الكانطية يظل شبيها. إن الأخلاق الكانطية، كما سيكتب بنسوسان “أخلاق التشابه وأخلاق الإنسان الآخر كشبيه، ستأتي لتقطع الطريق على الانحرافات الباثولوجية التي تهددنا بها دوما أخلاق الغيرية. إن علاقة الشبه بالشبيه هي الطريق الوحيدة الممكنة بالنسبة لأخلاق تقوم على فكرة الأوتونوميا”. في حين تهدد الغيرية، وفقا للرؤية الكانطية بأن تخرجنا من العقل إلى الطبيعة، أو بأن تخرجنا من الإرادة.

إن كانط، وكما يرى بنسوسان، سيخضع كل الفلسفات الأخلاقية السابقة، بلغة نيتشه في اعتباره الأول من “اعتبارات في غير أوانها” سيحرر الأخلاق من كل الرغبات والميولات، أو كما يكتب نيتشه في “الفجر، أفكار حول الأحكام المسبقة الأخلاقية”، فإن كانط “يعتقد بالأخلاق ليس لأن الطبيعة والتاريخ يثبتانها، ولكن على الرغم من أنه يتم الطعن فيها وباستمرار من طرف الطبيعة والتاريخ”، وهذا ما جعل ياكوبي في رسالته إلى فيشته عام 1799، وقبل كل من شوبنهاور ونيتشه، يرى في الأخلاق الكانطية نوعاً من العدمية، وذلك لأن ثقتنا العمياء بالفلسفة التأملية، ستدفعنا لا غرو في نهاية المطاف إلى إنكار، ليس الإله والحرية فقط، ولكن الطبيعة أيضاً، أو في لغة نيتشه وروسو: إنكار “الإحساس بالحياة”.

كل تلك الانتقادات للأخلاق الكانطية، هذه الأخلاق التي، في لغة هيغل، لا تتجاوز “النية المحضة”، سيجملها شارل بيغي في جملة واحدة: “للكانطية أيد محضة، ولكن ليس لها أيد”.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً