وجوه السياسي

يحذّرنا جاك رانسيير في كتابه “سياسة الأدب” من أن نخلط بين السياسة وممارسة السلطة أو الصراع على السلطة، ويقول إن السياسة هي المجال الذي يفترض وجود أغراض عامة تهم الناس، ووجود أشخاص قادرين، أو يفترض أنهم قادرون، على تحديد هذه الأهداف. ويذكر أن أرسطو حين قال إن البشر مخلوقات سياسية، إنما كان يشير إلى أنهم يستطيعون وحدهم من بين الكائنات الكلام عن العدل وعن الظلم، بينما لا تستطيع بقية المخلوقات سوى التعبير عن اللذة أو الألم.

غير أن تحذيره يذهب سدى حين توضع السياسة في الممارسة، وقلما تنفع التعريفات الأخرى التي ترى أن السياسة يمكن أن تكون علماً، أو أن السياسة فن. فأكثرية الناس اليوم، خاصة في العالم العربي، يقولون إن السياسة كذب، وهم يصدّقون هذه المقولة، ويعتبرون أنها حقيقية، وأنها فوق ذلك، أمر طبيعي وعادي، وإن كذب السياسي مقبول، ويمكن أن يجد له أحدهم أعذاراً تخرجه من أي مأزق محتمل، أو حقيقي، قد واجهه.

وليس من المستبعد أن يقال إنه لا يقع في ورطات، إذ هو قادر في الغالب على التملّص، أو الخروج، أو التبرؤ، من أي فعل أو قول سبق أن فعله أو قاله. وربما وجدنا السياسي نفسه يؤكد للآخرين أن ما يقوم به في أي مرحلة من مراحل عمله السياسي، إنما هو من طبيعة الفكر السياسي، حتى لو كان يخالف في حقيقته وفي ممارسته ما كان قد دعا إليه في مراحل سابقة من نشاطه. وأخطر ما في هذا الرأي هو أنه يعفي نفسه من النزاهة الأخلاقية التي تستوجب الصدق في الأقوال والأفعال.

وأكثر المشاكل التي تنشأ من اعتبار السياسة كذباً، هي قضية التمثيل. فالسياسيون وحدهم، هم من يختارهم الشعب لتحقيق مطالبه وأحلامه، وحين يصلون إلى البرلمانات أو الوزارات ينسون أو يتناسون التكليف الشعبي، كما يتنكرون لوعودهم الانتخابية. وثمة من بينهم – كما يحدث هذه الأيام في لبنان أو العراق – من يسرق مطالب الشعب، ويزعم أنه كان يحملها، منذ الولادة، ومنهم من يزعم أنها كانت في جيناته.

ولا تبعد وجوه السياسي في الرواية العربية عن هذه المواقف، إذ تضع رواية “اللص والكلاب” لنجيب محفوظ شخصية مثل رؤوف علوان، ضمن اللائحة السوداء لرؤية الروائي العربي للسياسي العربي، حيث تظهر صورة الناشط السياسي الذي يخون المبادئ والمثل التي كان يدعو إليها، وهي تسمية أخرى للكذب في المجال السياسي. ويُظهر نجيب محفوظ في تلك الرواية سخطاً شديداً مضاداً لسلوك هذه الشخصية على لسان بطله سعيد مهران.

ولن تتحسن الصورة في ما يلي هذه الرواية من الروايات العربية، وتزداد صورة السياسي، والسياسة، قبحاً في روايات فواز حدّاد والطاهر وطار وجمال الغيطاني وخالد خليفة وغيرهم، حين يتخلّى السياسي عن الوعود التي سبق له أن قدّمها، مقابل الحصول على بضع منافع شخصية، أو حين يكون سلوك السياسي متجهاً إلى قمع واعتقال كل من يفكّر في رفع الصوت دفاعاً عن العدالة.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً