وداد عرفي… مخرج سابق لأوانه

وداد عرفي، مخرج تركي الأصل، انتقل إلى مصر، مسكوناً بجنون الفن، وجرأته، وجموحه اللامحدود في عشرينيات القرن الماضي.


أدت مسيرة هذا المخرج، الذي لديه إبداع وفن بلا قيود، إلى صدامه العنيف مع القيم السائدة والعقلية الضيقة المهيمنة على الحياة، مما دفعه إلى مغادرة مصر عائداً إلى تركيا.


مما لا شك فيه أن رحلة المخرج المبدع وداد عرفي في مصر، تستحق أكثر من دراسة، وذلك لتفرده في الأسلوب الفني، وجرأته في طرح محتوى غني ومتقدم الرؤية.


لنورد على سبيل المثال، فيلمه “جنون الحياة” الذي حولت بطلة الفيلم اسمه إلى “ليلى”، بعد اختلافها مع وداد عرفي.


أتت تلك الممثلة بالممثل ستيفان روستي، ليكمل إخراج الفيلم، بعد سحبه من وداد عرفي. كانت حجه فريق العمل والممثلة بالذات، أن عرفي أسرف في مشاهد الفسق والفجور والمجون، بغرض إبراز الجانب الآخر، وهو الجانب الأخلاقي.


لقد رُفض هذا التبرير وهاجمه الجميع. ومن المدهش أن من قاد حملة التشهير والنقد تلك، الصحافي عبد السلام النابلسي، الذي أصبح الممثل الرائع، والذي باتت شهرته فائقة لاحقاً.


لاحقاً أيضاً، أصبح عبد السلام النابلسي مهاجماً بفنه الجميل للعادات والقيم السائدة بضراوة ولكن بنعومة فكاهية.




إن الهجوم على وداد عرفي بفترة وجوده في مصر كان ضارياً. بالطبع كانت الحجة أنه تجاوز قيم المجتمع.


ولعله من اللافت أيضاً أن رؤية عرفي النقدية الاجتماعية، والتي واجه بسببها كل هذا التقريع، قد قُدِّمت لاحقاً في العديد من الأفلام وبجرأة، خاصة نهايات الستينيات وبدايات السبعينيات في السينما المصرية والعربية.


يرجع هذا إلى تغيّر في المزاج العام وتطور ونضج وعي الجمهور والنقاد على حد السواء. هذا بالتأكيد يؤكد أيضاً أسبقية وعمق هذا المخرج في طرحه الجريء وقتذاك.


لعله من المفيد أن نذكر هنا، أن حلم وداد عرفي كان في تلك الفترة، أن يُقدِّم فيلماً عن الرسول محمد عليه السلام، أسوة بما قدَّمه الغرب عن المسيح.


وقتها رشح وداد عرفي الممثل الكبير يوسف وهبي لدور الرسول محمد، وقد وافق وهبي. واستطاع وداد عرفي، أن يُؤمِّن تمويلاً ضخماً لهذا الفيلم.


والأهم أن عرفي أمّن موافقة كمال أتاتورك، الذي كان رئيس تركيا، على تمويل هذا الفيلم الضخم الطموح في معناه وقيمته ودلالته.


من اللافت أيضاً أن رؤية وداد عرفي النقدية الاجتماعية والتي واجه بسببها كل هذا التقريع، قد قُدِّمت لاحقاً في العديد من الأفلام وبجرأة


الذي حصل أنه بمجرد أن انتشرت الأخبار عن الفيلم، قامت الدنيا ولم تقعد، إلى الحد الذي دعا الملك فؤاد، ملك مصر وقتذاك، إلى إصدار تحذير يحمل صورة التهديد ليوسف وهبي، بعدم عمل الفيلم، والاعتذار عنه.


مع الأسف أن وهبي استجاب لطلب الملك، إذ كان يعلم أنه إذ لم يستجب ستكون العواقب وخيمة عليه.


أمام هذا الإحباط والحصار الذي أصاب المخرج النابه وداد عرفي، اضطر إلى ترك مصر والتوجه إلى تركيا. وفقدت مصر مبدعاً كبيراً بقامته، والذي لو وجد في زمن آخر، لكان له بالتأكيد شأن آخر.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً