وسائل التواصل تهزم ترامب

تغيّر العالم فعلاً في السنوات العشرين الأخيرة. حقاً لم يعد كما كان في مطلع عام 2000 مثلاً. وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد “جزءاً أساسياً” من الإعلام العالمي، بل أضحت الركيزة الأساسية فيه. وإذا كان التمثيل والتزلّف والتصنّع من سِمات التلفزيون والسينما والراديو والإعلام المكتوب، فإن المواقف الفجّة والصادمة وجدت نفسها في وسائل التواصل الاجتماعي. لذلك، يبقى صداها أقوى من تحقيق تلفزيوني. أن ترى موظفاً يسرق مال الدولة على فيديو متداول في وسائل التواصل الاجتماعي مدة 30 ثانية أقوى وأكثر تأثيراً من تحقيق مدة عشر ساعات عبر برنامج تلفزيوني. بالتالي، لم يكن الرئيس الأميركي الخاسر، دونالد ترامب، بعيداً عن هذه الأجواء. يُسجّل له أنه من روّاد الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي لإيصال رسائله. وفي سنواته الأربع في الرئاسة، كان يكفي له نشر تغريدة على “تويتر” حتى تهتزّ الأسواق المالية والأوضاع السياسية. كان يبدو الوضع متفلّتاً، وأوحى الأمر وكأنه يُمكنك التحكّم بالتلفزيون والراديو والصحف، من دون أن تجد القدرة على التحكّم بمواقع التواصل الاجتماعي. 


كل شيء تغير في الأشهر القليلة الماضية، خصوصاً بعد الانتخابات الأميركية في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. حارب موقع تويتر تغريدات ترامب الرافضة نتائج الانتخابات، لمنع تدهور مصداقيته. بدا “تويتر” في صراعٍ قاسٍ مع البيت الأبيض، مدركاً أن انتصاره عليه سيضعه على مشارف تغيير شامل في سياسة الموقع عالمياً. منح ترامب الفرصة لـ”تويتر” و”فيسبوك” و”إنستغرام” للحصول على ما يريدونه في 6 يناير/ كانون الثاني الحالي، عندما واكب اقتحام أنصاره الكونغرس في العاصمة واشنطن، بتغريداتٍ وفيديوهاتٍ غير رافضة أقلّه للعنف المتمادي. شعرت منصّات التواصل الاجتماعي وكأن ضوءاً أخضر ومض في أثناء هروب أعضاء من الكونغرس من وجه المتظاهرين، فأعلنت عن توقيف حسابات ترامب، في أكبر عقاب جماعي لشخص، لا منظمة أو حزباً، من إدارات وسائل التواصل الاجتماعي.


لم يرفع ترامب العلم الأبيض، سوى بعد شعوره بالعزلة عن العالم. لا وسيلة إعلامية تستنطقه، ولا “فوكس نيوز”، ولا حسابه على “تويتر” مُتاح أمامه، فأعلن إدانته للعنف في العاصمة، مقتنعاً بتسليمه السلطة في 20 يناير الحالي لخلفه المنتخب جو بايدن بسلاسة. لم يكن ترامب ليتخذ هذه المواقف الانهزامية، وفقاً لشخصيته، إلا بسبب الحصار الإلكتروني الذي أُطبق عليه. شخص مثله وبعقليته، لا يقبل عادة التراجع عن مواقفه، سقط أمام منصّات التواصل الاجتماعي، في تأكيد على أمرين: وصول العالم إلى المستقبل الآن، وتأكيد إدارات تلك المنصات قدرتها على التحكّم بمليارات الحسابات بسهولة، سواء بحجبها أو إقفالها.


العالم تغيّر. وسائل التواصل الاجتماعي باتت أكبر مما كان متوقعاً، والفوضى التي تحكّمت فيها في العقد الماضي، ستختفي تباعاً في السنوات المقبلة. فمن يمنع رئيس أكبر قوةٍ عظمى في العالم من استخدام حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي سيمنع، لاحقاً، وفق قوانين وسياسات متحركة، كل شخص في الكوكب من الإدلاء بموقف مخالف لتلك القوانين. التشدّد إزاء سيد البيت الأبيض سيتيح تشدّداً أوسع تجاه كل إنسان على هذه الأرض. في البداية، سيكون الأمر جميلاً، أي ستخفت الخطابات العنصرية والمتشدّدة والمحرّضة على العنف بشدّة، ثم يتحوّل الأمر إلى محاولة للجيل التالي من الأنظمة في كل دولة للسيطرة على تلك المنصّات بالكامل. وفي غضون عقد أو أقلّ، تُصبح مواقع التواصل الاجتماعي أشبه بتلفزيوناتٍ رسميةٍ في جمهوريات بائدة.


هنا يمكن طرح سؤالين: ما مصير المستوى الجديد من وسائل التواصل المستقبلية.. هل ستنخرط في النظام الجديد الذي يتشكّل حالياً أم ستتمرّد عليه؟ السؤال الثاني والأهم: ما هي حدود إدارات تلك المنصّات، أين تبدأ وأين تنتهي ومن يتحكّم بها؟ يُمكن لكثر الغوص في عالم المؤامرات، لكن الواضح أن إدارات تلك المنصّات لن تكتفي بالسيطرة على العالم الإلكتروني، بل ستصنع السياسة في العالم.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً