وسيم القربي (1/ 2): سماسرة يتحدثون باسم النقد السينمائي التونسي

ينتمي التونسي وسيم القربي إلى الوجوه الجديدة في المشهد الفني التونسي. يجمع بين الإخراج السينمائي والكتابة النقدية، وهذا أضحى مُستبعداً في العالم، أمام إغراءات الدعم، التي يتوفّر عليها الإخراج والتأليف السينمائيين. حالة القربي مُختلفة. جاء من الإخراج إلى النقد، لا العكس، ما جعل منطلقاته معرفية ونقدية ووجدانية.


في كتابه الأول، “هوية السينما التونسية: من ثوابت التأسيس إلى إبدالات الامتداد” (2020)، الصادر في المغرب، يُسائل القربي المُنجز السينمائي التونسي، رصداً ونقداً وتفكيكاً، باحثاً في العوامل البرّانية، عن نشوء العمل السينمائي وسياقاته التاريخيّة، وأخرى داخلية، ذات علاقة بأفلامٍ صنعت مسار حداثة السينما التونسية، قديماً وحديثاً.


العودة إلى المتن السينمائي تُحدّد نمط كتابته النقدية، من دون أنْ تستطرد في السياقات والمنطلقات والمنابع، بل بجعلها تغوص في بنية العمل الفنيّ، إذْ تتأتى الخصائص الجماليّة والفنيّة، في الكتابة، ممن يعرف أسرار العمل السينمائي، تقنياً، والأطوار التي تمرّ منها المَشاهد واللقطات. هذا يُفسّر وجود بيانات ومخطّاطات تفصيليّة، تتناول العملية الفنيّة الغائبة في كتابات نقدية مَغاربيّة.


بمُناسبة صدور كتابه الجديد هذا، التقت “العربي الجديد” وسيم القربي:


 


(*) المتأمّل في تجربتك وسيرتك ومشاغلك يدرك أنّ هناك مزجاً معرفياً بين إخراج وتأليف سينمائيين، ودراساتٍ وأبحاث. ألا تخشى أنْ تلتهم الكلمة وقتك ومسارك الإبداعي، فيُغلِّف البُعدُ التقريري العمليةَ السينمائية عندك، وهذا يتجنّبه مخرجون عرب، عادة؟


أدرك تماماً سيرورة تجربتي في المجال السينمائي، المتراوحة بين الإخراج والكتابة النظريّة. في الواقع، هذا نابع من رؤية متأنّية عشتها بصفة مُلاحِظ ومتابع لمسارات سينمائيين آخرين. مسيرتي مرتكزة على مراحل صامتة، وقراءات أتفادى بها العشوائية والصدفة. أنْ تكون أستاذاً جامعياً في السينما، وباحثاً له دراسات، فهذا قيمة مُضافة أعتبرها ميزة تدعم المعارف الميدانية للإخراج السينمائي، وتُعزّز التكامل بين النظري والعملي.


شخصياً، أستثمر المعرفة الميدانية في الجامعة التونسية، وأيضاً المعارف النظرية، التي أحاول عبرها تحقيق تجربة فيلمية مبنيّة على أسس جمالية وعلميّة. الجمع بين النظري والعملي يتطلّب جهداً مُضاعفاً، يصعب التمكّن منه غالباً. أشير هنا إلى أنّ فنّ السينما متعة معرفيّة، ترتكز على التكامل بين النظري والعملي. هذا مسار يدعمني فيه أصدقاء في المغرب الكبير.


 


(*) ماذا عن النقد السينمائي التونسي اليوم: هناك تراجع مُخيف يشهده الآن في تونس، رغم بروز تجارب سينمائية مذهلة، تقطع مع التراث السينمائي، الموسوم بالنَفَس التحرّري من التاريخ والاستعمار.


يُمكن التحدّث عن أزمة النقد في تونس وغيرها من البلدان العربية. الأقلام النقديّة تراجعت، لأسبابٍ عدة، منها غياب الحركة النقديّة الجادّة، واندثار الجمعيات المهتمّة بالكتابة النقدية، كـ”الجمعية التونسية للنهوض بالنقد السينمائي”، التي انفرط عقد روّادها على أيدي من لا علاقة لهم بالنقد. هذا تراجع مخيف، فعلياً. من أسبابه: عدم تأسيس الفاعلين لمسارات نقديّة أخرى، بسبب غياب التأطير والممارسة الشبابيّة الفاعلة.


لا مستقبل للنقد في تونس ما لم تبارح البحوث السينمائية رفوف الجامعات، وما لم تُشجَّع الكتابة النقدية بتوفير منصّات الكتابة. أين “الفنّ السابع” و”شاشات تونسيّة” (مجلّتان)؟ أين الكتب السينمائية؟ بل أين هم من يكتبون عن السينما؟ غيّر نقّادٌ مسارَهم من النقد إلى الإنتاج أو الإخراج، وآخرون سئموا من المجال، وبقي سماسرة يتحدّثون باسم النقد السينمائي.


بعض الكتابة عن السينما، أو النقد الانطباعي، رهين إحساسات تُدوَّن في صحف، وترتكز غالبيتها على قراءات عابرة. صدور كتاب عن السينما في تونس أصبح للأسف “حدثاً”، ما يجعلنا نستنتج أنّ الحركة النقدية لم تساير تميّز سينما “الحساسيّة الجديدة” في تونس، في الأعوام الأخيرة.


للتذكير: تونس كانت رائدة في النقد السينمائي مع أناسٍ أسّسوا أرضيّة صلبة، إنْ عبر “سينما الهواة” و”مهرجان قليبية للسينمائيين الهواة”، أو مع مُساهمين في تأسيس الحركة النقديّة، كالطاهر شريعة، والنوري الزنزوري، ومصطفى نقبو، ومنير الفلاح، وكمال بن وناس، والطاهر الشيخاوي، وخميّس الخياطي، والهادي خليل، وغيرهم.


 




 


 


(*) هل تعتقد أنّ النقد قادر على خلخلة المألوف والرتيب في السينما العربيّة، ومُحاولة إضفاء شرعيّة التأصيل المعرفي والجدّة الفنيّة على هذه السينما، الغارقة في التكرار؟


أعتقد أنّ الحركة السينمائية تخلّت عن النقد، الذي أصبح مجرّد نقاشات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أو سجالاتٍ في المهرجانات السينمائيّة. في سبعينيات القرن الـ20 وثمانينياته، كان النقد شاهداً على زمن جميل، لكنّ الممارسة النقديّة في بلداننا لم تساير، في الأعوام الأخيرة، ما تقتضيه السينما. السينما العربيّة لم تستجب للشرط التاريخي، وغرقت في التكرار والمسارات الفلكلورية أحياناً، بينما احتاجت تلك الإنتاجات إلى قراءتها وتأويلها ليُمارس النقد مساره الطبيعي. السينما العربية لم تستطع الخروج من بوتقة التماهي، لأنّ مبدعيها تخلّوا عن تعبيرات الهوية الوطنية.


(*) في كتابك الجديد، ترصد تاريخ هذه السينما ومظاهرها ومنابعها البصريّة الأولى، منذ السينما الكولونيالية. أيّ خصوصية يُمكن الحديث عنها في السينما التونسية بعد الاستقلال؟


تاريخ السينما في تونس متشابه مع استنبات السينما في المنطقة المغاربية، لكنّ السينما التونسية استطاعت تحقيق خصوصية بعد الاستقلال، بفضل الأرضيّة الثقافية الصلبة المؤسَّسة في فترة بورقيبة. بفضل جهود الطاهر شريعة، الأب الروحي للسينما التونسية، أُنشئت مؤسّسات، كـ”أيام قرطاج السينمائية“، و”الجامعة التونسية لنوادي السينما”، و”الجامعة التونسية للسينمائيين الهواة”، ما أوجد جيلاً من الروّاد، جعلوا سينمانا جريئة، تهتمّ بقضايا الفرد التونسيّ. ورغم تضييقات رقابية أحياناً، تمايزت عن بقيّة السينمات العربيّة، بفضل النظرة الإخراجية، والتناول الجمالي لمبدعين روّاد، كعمار الخليفي، وعبد اللطيف بن عمار، ورضا الباهي، وآخرين.


 


(*) ماذا عن السينما التونسية الجديدة: أهناك تقاطعات موضوعية وفنيّة مع الأفلام القديمة، أم نوع من الجفاء والقطيعة مع التراث السينمائي الأول؟


سينما الشباب، أو سينما الحساسيّة الجديدة، بقيت مرتبطة بالأسس. لا يمكن إنكار أنّ السينما التونسية الجديدة ارتكزت، في بنيتها، على ضوابط خطّها الروّاد. سينما تونس يساريّة بامتياز، تتميّز بانفتاحٍ فكري وتجديد جمالي. في تونس اليوم كفاءات شابّة، تخرّجت من مدارس السينما والفنون. السينما التونسية أنتجت رؤية مغايرة عن التراث السينمائي الأول. ورغم القطيعة مع الماضي والروّاد، يظلّ سينمائيّو سبعينيات القرن الـ20 وثمانينياته مدرسةً أفضت، مع أساتذة مختلفين، إلى جيلٍ جديدٍ طموح.


يُلاحظ أنّ السينما التونسية، بعد الثورة، أثمرت أسماء شابة مختلفة، ككوثر بن هنيّة. طبيعيّ أنْ يكون زمننا مُغايراً، وبالتالي لا يُمكن أنْ نطلق على ذلك مفهوم التجافي، بل القول إنّ السينما مرآة تعكس واقع المجتمع، والصورة تجمع ماضينا وحاضرنا.


 


(*) في المبحث الأوّل من الكتاب، ترى أنّ السينما التونسيّة “شهدت ولادة قيصريّة”. كيف تمّ ذلك؟ ما العوامل المُتحكّمة في هذه الولادة المستعجلة، بعلاقتها بالتاريخ والاستعمار؟


لم تنوجد السينما في تونس إهداءً ومودّة، إذْ انطلقت، كحالها في الجزائر والمغرب، خدمةً للحاجة الاستعماريّة، توثيقاً للأساطيل الحربيّة الفرنسيّة، وعروضاً لأفلام خاصّة بالرعايا الفرنسيين والإيطاليين، والنخبة التونسية المقرّبة من المستعمِر، ورؤيةً استشراقيّة، تقوم على التصوير الفولكلوري للمدينة العتيقة، والأبواب والساحات.


سينما تعتمد على طبيعة الضوء، وجماليّة الديكور الطبيعي أساساً، وتستجيب لما تُصوّره عين الأجنبي، إذْ لم يكن للتونسي أيّ حضور. ولادة قيصريّة، لأنّ السينما التونسية الحقيقية شهدت شذرات تأسيس، كحال أفلام ألبرت سمامة شيكلي. ثم حدث انتظارٌ إلى فترة تأسيس الدولة الوطنية بعد الاستقلال، مع تأسيس أول مهرجان سينمائيّ عربي وأفريقي، عام 1964: “مهرجان سينما الهواة بقليبية”. بعده، أُخرج أول فيلم تونسي، بعنوان “الفجر”، عام 1966.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً