و.س ميروين.. انتهى وقت الحديقة

ماذا لو استمر الإنسان في بناء الأبراج والعمائر والبيوت، وتعبيد الطرق حتى لا يبقي شيء من الطبيعة؟ ماذا لو أصبحت الأرض كلها مصفحة بالإسمنت من كل جانب؟

كان هذا الكابوس هاجساً لدى الشاعر الأميركي و. س ميروين (ويليام ستانلي ميروين، 1927-2019) الذي رحل الجمعة الماضي. كابوس تحدّث عنه في أكثر من لقاء معه، بينما كان يقاومه بشكل عملي في حياته اليومية قبل أن يغادرها بينما هو نائم في فراشه في بيته ومزرعته المحاطة بالغابات المطيرة.

رحل زارع النخيل في مزرعته على الساحل الشرقي من جزيرة ماوي في هاواي التي هجر المدينة إليها عام 1976، هناك قضى آخر أربعين عاماً من حياته يزرع تسعة عشر فداناً بأكثر من ثمانمئة نوع من النخيل على أنقاض مزرعة قديمة من الأناناس. لم تكن هذه مجرّد مزرعة من النخيل، لقد كانت ربة الشعر الملهمة بالنسبة إليه مثلما كانت الشغف الذي لا يقل عن شغفه بالكتابة إن لم يكن يتجاوزه.

هذا الحب الذي حمله الشاعر لكائنات وحيوات غير الإنسان كان تحررياً في جانب منه من سلطة الإنسان على الطبيعة، فإن كان البشر يتحدّثون عن الطبيعة وكأنهم وجِدوا قبلها وأنهم أصحاب سلطة عليها، فإن مفردات ميروين أعادت الإنسان إلى فكرة فنائه ووجودة المقتضب، مثلما تأملت في استمرارية الطبيعة ووجودها المطوّل والأصيل قبل الإنسان وبعده.

يخاطب ميروين الطبيعة بأشجارها وحيواناتها أيضاً ليفهم الإنسان، وليكشفه: “أيها الحوت الرمادي/ الآن ونحن نرسلك إلى النهاية إلى الإله العظيم/ أخبره/ أننا نحن من نتبعك/ اخترعنا المغفرة/ ولم نغفر شيئاً” (لا يضع ميروين أي علامات ترقيم في قصائده).

رفض الشاعر الأميركي جائزة البوليتزر عام 1971، التي منحت إليه عن مجموعته “حامل السلالم”، وقال آنذاك “أنا واع جداً بمعنى أن أكون أميركياً لدرجة لا يمكنني القبول بتهنئة أو تكريم أو قبولها من دون أن أعبّر علانية بالعار الذي يشعر به كثير من الأميركيين” وكان يشير بشكل خاص إلى حرب فيتنام المندلعة وقتها. لكنه عاد وقبل الجائزة نفسها عام 2009 عن مجموعته “ظل سريوس” كما حصل على عدة جوائز أميركية وعالمية رفيعة عن أعماله الشعرية في مناسبات مختلفة.

التحولات في شعر ميروين ليست بأقل جذرية من التقلبات في حياته، فابن المدينة الذي عاش طيلة مراهقته في نيوجرسي تتقل بين بلدان ومدن مختلفة من إسبانيا إلى المكسيك وإنكلترا وفرنسا، قبل أن يستقر به الأمر في هاواي، وكذلك فعل في الشعر فانتقل في شبه احتجاج من المدينة إلى الطبيعة شعرياً أيضاً، ومن الأشكال التقليدية إلى الثورة عليها ثم من هذه إلى منطقة خاصة من التجريب والهدوء الشعري في قصائد كان موضوعها الأثير هو الوجود والطبيعة (البعض أطلق على قصائده الشعر الإيكولوجي) والإنسان بينهما، حيث ثمة دائماً حزن عميق وهادئ متكوّر في قاع قصائده كجنين.

صدرت لميروين عشرات المجموعات الشعرية منذ كتابه الأول “قناع يانوس” الذي اختاره الشاعر دبليو.إتش أودن عام 1952 ليكون ضمن منشورات يال للشعراء الشباب.

من مجموعاته الأخرى: “ريش من التل” و”الزهور واليد”، و”القمر قبل الصباح”. أما آخر إصداراته فكان “وقت الحديقة” الذي صدر عام 2016، وفي العام نفسه أصدر كتاباً يتضمّن قصائد وصوراً من مزرعته بعنوان “ما هي الحديقة؟”.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *