يمنيون يكافحون الفقر بالخياطة: مهنة بتقاليد متوارثة

رغم قساوة الصراع الدائر في اليمن وانسداد أفق إحلال السلام في البلد الذي يعيش ثلثا سكانه في فقر مدقع وبطالة، وسط تردٍ معيشي كبير وانعدام معظم الخدمات العامة، إلا أن الكثير من اليمنيين لم يفقدوا الحيلة لمقاومة الظروف الصعبة التي أجبرتهم الحرب على خوضها، بعدما أفقدتهم مختلف فرص العيش.


وتعد الخياطة من المهن التي تحظى بتقدير كبير في اليمن وتحولت إلى ملاذ رئيسي لشريحة واسعة من المواطنين، حيث أصبحت من أهم المهن التي تستقطب الكثير من الأسر لتوفير ما تيسر من الدخل لمكافحة الفقر والجوع والبطالة وتوفير أهم متطلبات الحياة المعيشية.


ساعد على ذلك قيام بعض المؤسسات والمنظمات العاملة في المجال الإنساني والتنموي بتنفيذ عديد المشاريع لتأهيل وتدريب مواطنين يمنيين على إتقان بعض المهن، مثل الخياطة، وتوفير بعض المتطلبات والمعدات اللازمة لتكوين مشاريع ومشاغل خاصة، رغم عدم قدرة بعضها على الاستمرار والصمود في سوق العمل. وحسب تفسيرات أحمد الشرماني، كبير الخياطين في مشغل خاص بإنتاج الجاكيتات “الأكوات” الرجالية في منطقة شعوب غربي العاصمة اليمنية صنعاء، فإن كثيراً من المشاغل التي لم يكتب لها النجاح يعود فشلها إلى افتقادها للخبرة والإلمام الكافي بهذا السوق من الأعمال، والتي تتطلب التخصص، واختيار الموقع المناسب والمعايير المطلوبة في سوق عمل يخضع للاحتكار، والمعرفة الكافية بتجار الأقمشة والملابس.


يضاف إلى ذلك، كما يؤكد الشرماني لـ”العربي الجديد”، عدم توفر الخبرات الكافية في مجال الخياطة، وهو ما يجعل المشاغل تواجه صعوبات عديدة في سوق العمل، والتي لم تمنع هذه المهنة من ازدهار ملحوظ جعلها تستقطب العديد من الاستثمارات والتجار والأيدي العاملة.




تتمتع هذه المهنة في صنعاء ومختلف المدن اليمنية بتقاليد خاصة راسخة في الأسواق، من حيث مواقع العمل وتميز كل منطقة بنوع معين من أصناف مهنة الخياطة، وتخصص مناطق محددة في مهنة الخياطة.

وتعتبر منطقة شعوب في العاصمة صنعاء مركزا رئيسيا لمشاغل الخياطة المتخصصة بإنتاج الأكوات “الجاكيتات”، التي تحظى بإقبال كبير من قبل المواطنين القاطنين في أرياف صنعاء والمحافظات المجاورة للعاصمة اليمنية، مثل عمران وحجة والمحويت، إلى محافظات الجوف وصعدة ومأرب، بينما تنتشر خياطة “الأثواب” بشكل رئيسي في حي القيادة وسط صنعاء، وبصورة أقل تتركز خياطة الملابس الرجالية من قمصان وبنطلونات في بعض مناطق التحرير، كشارع جمال التجاري المكتظ بالمحال التجارية العاملة في بيع الملابس والأقمشة والإكسسوارت وأدوات التجميل.

بينما تحظى خياطة الأزياء والملابس النسائية بشهرة أكبر وانتشار أوسع في جميع مناطق صنعاء ومختلف المدن اليمنية، مثل عدن في جنوب اليمن، في حين تتركز بعض أصناف هذه الملبوسات، مثل فساتين الأعراس ومختلف منتجات ومتطلبات الأفراح، في حي “كلية الشرطة” ومنطقة الصافية شرقي صنعاء، في الوقت الذي يلاحظ ازدهار بعض المناطق المستحدثة الواقعة على مداخل العاصمة اليمنية بمهنة الخياطة وانتشار المشاغل الخاصة بهذا المجال.

وتسببت الحرب التي دارت في بعض المدن اليمنية في تهجير عديد الأعمال والمهن ورؤوس الأموال منها باتجاه المناطق والمدن الآمنة والمستقرة، كما هو الحال في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين، والتي شهدت في السنوات الأولى للحرب معارك واسعة حولتها إلى مدينة أشباح، قبل أن تعود إليها الحياة مؤخراً ولكن بشكل محدود.

ويعاني اليمن من فقر مدقع ارتفع من 55% عام 2014 إلى 70% في عام 2019، ويعيش، حسب الأمم المتحدة، 17 مليون يمني على وجبه واحدة في اليوم. واستقبلت صنعاء، ثم عدن بنسبة أقل، عددا من الأعمال والتجار والمهنيين، خصوصاً الخياطين الفارين من لهيب هذه المعارك التي دارت في المحافظة الواقعة جنوب غربي اليمن (تعز).




وبينما وجد كثير منهم مساحة مناسبة للاستقرار والعمل، لاقى آخرون صعوبات بالغة بعدما تكبدوا خسائر بالغة، نتيجة تسبب الحرب في تدمير مشاغلهم وفقدان جزء كبير من معدات العمل التي تعد مكلفة لمثل هذا النوع من الأعمال، الأمر الذي يجعلهم من ضحايا الحرب الذين تقتضي الضرورة تعويضهم وجبر ضررهم وخسائرهم.

إبراهيم الصراري، العامل في مجال خياطة الملابس الرجالية والنسائية، يوضح لـ”العربي الجديد” أهمية هذه المهنة التي تعتبر، على حد قوله، مصدر دخل رئيسي للكثير من اليمنيين، نظراً للطلب مؤخراً على منتجاتها بسبب الحرب والحصار، وما رافق ذلك من تراجع كبير في استيراد الملبوسات بمختلف أصنافها وأنواعها. يوافقه محمود الحيدري، التاجر العامل في بيع الملابس والأقمشة، والذي يشير إلى ارتفاع تكاليف استيراد الملابس الجاهزة بشكل كبير من الخارج بسبب الحرب في اليمن، إضافة، وفق حديث التاجر لـ”العربي الجديد”، إلى محدودية المنافذ العاملة في مجال الاستيراد والتصدير، وصعوبات نقل البضائع بين المدن والمناطق الخاضعة لعدة أطراف نتيجة الصراع الدائر في البلاد. هذا الأمر الذي جعل الكثير من التجار يتجنب استيراد البضائع والملبوسات الجاهزة، والتركيز على جلب أصناف محددة وبشكل مقنن، مثل الأقمشة وأدوات الخياطة المتنوعة، حسب التاجر.

وفي حين تعتبر مثل هذه الأعمال تجارة موسمية في اليمن تزدهر في بعض المواسم، مثل الأعياد ومناسبات الأفراح في الصيف، إلا أن أسواق الحراج المنتشرة في كثير من المدن اليمنية شكلت اختراقا كبيرا لهذا التقليد الخاص بتداول الملبوسات في الأسواق اليمنية، إذ تمثل مثل هذه الأسواق العشوائية ملاذا رئيسيا لمحدودي الدخل في تلبية احتياجاتهم من الملابس.

ولا يتوقف الأمر عند أسواق الحراج، بل تحظى المشاغل الخاصة بإنتاج الملابس النسائية بحركة مزدهرة طوال العام، وهو ما جعلها في طليعة الأعمال التي اجتذبت النسبة الأكبر من الأيدي العاملة في اليمن للعمل فيها. ويلاحظ تركز نسبة كبيرة من الحركة التجارية في المراكز التجارية الكبيرة والتي أصبحت وجهة رئيسية للتسوق، إذ تسيطر عليها بدرجة رئيسية محال الملابس ومشاغل الخياطة.

وفرضت المراكز التجارية الضخمة والكبيرة وذات المساحات الواسعة نفسها بقوة في السوق المحلية في اليمن خلال الفترة الماضية، حيث يعتبرها الكثيرون من أهم الاستثمارات التجارية والاقتصادية التي انتشرت في اليمن مؤخراً، ومن أكثر الأعمال الاستثمارية جذباً للتجار ورجال الأعمال والمغتربين العائدين إلى بلادهم.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً