"يوتيوب" المغرب: أسر الموسيقى في دوامة الشهرة والانتشار

في سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم، لم يكُن مُفكّراً داخل الفنّ المغربي بفكرة “الطوندونس” Tendance (النزعة الشائعة أو التريند المسيطر)، إذ كان الفنّانون المَغاربة يُمطروننا بعددٍ هائلٍ من الأغاني الأصيلة والمَقاطع الموسيقيّة المُتفرّدة إيقاعاً ومُتخيّلاً، فكانت بعض الأغاني تنحت طريقها في السراديب المُضيئة، إمّا داخل مَسارح مغربيّة أو حفلاتٍ رسميّة أو على وجدان الطلبة داخل جامعاتٍ ومقرّات حزبية أو جمعيات ثقافيّة، وذلك في إطار ما سُمّي بـ”الأغنية المُلتزمة”.


وعلى الرغم من أهميّة هذه التجارب الموسيقيّة وجماليّاتها، فإنّها وجدت صعوبة بالغةٍ حتّى تُؤسّس لنفسها مساراً مُغايراً وشرعيّة فنّية مُتخيّلة في ذهنية المُستمع. إذ لم تفكّر الساحة الموسيقيّة إلاّ بفكرة أصالة التأليف ومدى قُدرة الموسيقى على اختراق حدود السُلطة وتموقعها في وجدان الآخر. ذلك أنّ الفنّان المغربي يبذل مجهوداً كبيراً في التأليف والغناء والتسجيل والتوزيع، حتّى يصل مشروعه الموسيقي إلى عموم الناس. لذلك، نجد أنّ أغلب الفرق الموسيقيّة التي حقّقت نجاحاً في تاريخ الأغنية المغربيّة لا تعود إلى كونها اشتغلت عند السُلطة الرسميّة أو بعض شركات الإنتاج، ولكنّها كانت مدفوعة بمنطق الحرفة الفنّية والهاجس التجريبي من أجل تقديم موسيقى أصيلة نابعة من خصوصياتٍ عربيّة محضة.


فالسياق التاريخي الذي احتكمت إليه المرحلة كان يفرض على الفنّان المغربي نوعاً من الموسيقى “الغرامشية” المُلتحمة بقضايا الناس وهمومهم ووجدانهم وأيديولوجياتهم، وذلك بمعزلٍ عن بعض نماذج الموسيقى الكلاسيكية الرومانسية المُستوردة من بعض المُدن المشرقية. لكن مع بداية الألفية الجديدة، حدث شرخٌ كبير في طريقة تلقّي هذه الموسيقى وطرق إنتاجها ووسائطها وعوامل تقييمها، إذ عملت بعض شركات الإنتاج الموسيقي، عبر التلفزيون الرسمي، على إخضاع الموسيقى المغربيّة إلى نوعٍ من التجاذب والتسليع، لتكريس فكرة أفضل النجوم مُتابعة وتوزيعاً وتسويقاً.


فكان التلفزيون يتعمّد تهميش فنّ الراب وفرقه الواعدة التي عملت في ذلك الإبان على تكسير تابوهات الاجتماع المغربي وعلى توجيه نقدٍ لاذعٍ للسُلطة، أمام موجات التخويف والبطالة والهجرة التي انتشرت مع خواتم القرن الماضي. في مقابل ذلك، كُرست بعض الأغاني الترفيهية لسميرة سعيد وخالد والدوزي والرياحي، وخلق نجوم جدد للتلفزيون وإخضاعهم لمنطق الـ”ترند” في نهاية بعض البرامج الفنّية التي كانت مُخصّصة آنذاك لمُتابعة الإنتاج الموسيقي بالمغرب وعلاقته ببعض بلدان المهجر.




وقد شكّلت هذه المرحلة نهاية الموسيقى المغربيّة الأصيلة، إذ فتحت الباب أمام وجوهٍ جديدة استخدمت في التلفزيون العمومي لتكريس منطق الترفيه داخل سهرات يوم السبت. هكذا وجد الاجتماع المغربي نفسه مُحاطاً بهذا النوع من الفنّانين الذين فرضتهم المؤسّسة الإعلامية الرسميّة وأسّس مسارهم “الفنّي” مفهوم “الطوندونس” وجعلهم في مركز المُقدّمة، من دون أيّ حسيبٍ أو رقيبٍ. مع أنّ الأقلام الصحافيّة، في تلك الفترة، كانت قادرة على نقد وتحريك الساكن داخل المؤسّسات الفنّية الرسميّة وطريق تقييمها للشأن الموسيقى المغربي، لا سيما أنّ فكرة ابتذال “الطوندونس” الموسيقى في المغرب راجع إلى منطق التسليع الذي تتعمّده شركات الإنتاج، وإلى الدور السلبي الذي يلعبه بعض صنّاع المُحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي.


هذا الأمر لم يعُد يقوى عليه نقاد الفنّ ولا الدولة من أجل مُحاربة منطق “الأكثر مُشاهدة”، لأنّ السُلطة تحوّلت من يد الدولة ومُؤسّساتها الإعلامية لصالح المجتمع الذي أضحى يتدخّل في صنع من هو “الأفضل” داخل الموسيقى والغناء في المغرب. إنّ صعوبة “الطوندونس” اليوم لم تُعد حكراً على مسألة تكريس هذا الفنّان عن الآخر، بل ترجع إلى الاختراق الذي أحدثه المفهوم من الناحية الجماليّة، عبر تحويل مسألة تقييم “الأفضل” من الناقد الفنّي إلى مُتتبّع تلفزيوني عادي، يصنع نجومية موسيقي أو مُغنّية عن طريقة مُشاهدة فيديو كليباتهما وتتبّع صُورهما ووضع “إعجاب” (Like) غدت أشبه بتقييمٍ نقدي للعمل الفنّي.


ينمو المحتوى المثير للجدل في بيئة خصبة في المغرب، سواء من حيث الولوج إلى الإنترنت أو استخدام “يوتيوب” و”فيسبوك”، أو من حيث المشاهدات العالية للقنوات المثيرة للجدل. وكشف التقرير الرقمي لعام 2019، من منصة إدارة مواقع التواصل “هوتسويت”، أن أكثر من 22 مليون مغربي يستخدمون الإنترنت، ما يمثل نسبة 62 في المائة من مجموع السكان.


ويحتل “يوتيوب”، مصدر المحتوى المثير للجدل، المرتبة الثانية من حيث عدد الزيارات في المغرب مباشرة بعد “غوغل”، وحتى في “غوغل”، تعتبر كلمة “يوتيوب” هي الأكثر بحثاً. ووصل عدد المغاربة في مواقع التواصل الاجتماعي الذين يناقشون المحتوى المثير للجدل إلى 17 مليون مستخدم، ما يمثل نسبة 47 في المائة من إجمالي السكان. وهناك أكثر من عشرين مليوناً من المستخدمين المغاربة النشطين في الإنترنت عبر الهاتف المحمول، 16 مليوناً منهم يستخدمون مواقع التواصل عبره، بمعدل نمو يصل إلى مليون مستخدم هذا العام مقارنة بالعام الماضي. وربما تساعد سرعة الإنترنت في نمو هذا التفاعل أيضاً، ذلك أن مقاطع الفيديو تحتاج سرعات إنترنت مهمة، وسرعة إنترنت الهاتف المحمول في المغرب تنمو بنسبة 26 في المائة.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً