4 أشهر على انقلاب سعيّد: فشل بالإجهاز على بذور المقاومة الديمقراطية

مضت أربعة أشهر على يوم 25 يوليو/ تموز الماضي، عندما قرر الرئيس التونسي قيس سعّيد أن ينقلب على الدستور والنظام السياسي ويعلّق أعمال البرلمان ويقيل الحكومة، ليضيف إليها بعد شهرين في 22 سبتمبر/ أيلول الماضي القرار 117، الذي جمع فيه كل السلطات، التشريعية والتنفيذية، بين يديه، فيما تستمر معركته الكبيرة مع القضاء والقضاة، الذين يدافعون عن استقلالية مؤسستهم.

أربعة أشهر توقف فيها مسار الانتقال الديمقراطي، وتصاعد فيها الخوف على الحريات وحقوق الإنسان، وطنياً ودولياً، وتراجعت فيها كل المؤشرات الاقتصادية، بما يؤشر على خريف ساخن اجتماعياً، خصوصاً أن كل المانحين، من دول ومؤسسات، ربطوا مباشرة بين الدعم والعودة سريعاً للمسار الدستوري، الذي يقول الرئيس، منذ أربعة أشهر، إنه سيعلن عنه قريباً، فيما لم يتبيّن أي تطور في الأفق حتى الآن. كما يصرّ سعيّد على أنه لم ينه العمل بالدستور، وأنه يتحرك داخله ولا يريد أن يتدخل في القضاء، ولكن “عليه أن يلعب دوره في هذه المرحلة التاريخية” لأن “الشعب يريد تطهير البلاد والقضاء” بحسب تعبيره.


مهدي مبروك: ديمقراطية بلا نخب ولا أجسام وسيطة، هي شعبوية تسلطية


وفيما تُطرح أسئلة حول مآلات هذا الوضع والمخارج المتاحة واقعياً لإنهاء الأزمة وحالة الانقسام، يتوقع كثيرون أن تكون الحقيقة، الاقتصادية والاجتماعية، محركاً دافعاً لطاولة حوار لا مفر منها، ولكن بثمن باهظ سيدفعه التونسيون. ويعلّق البعض آمالاً محدودة على مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل لإقناع سعّيد بالحوار، بينما لم ترد الرئاسة على هذا الموضوع إلى حد الآن، ويؤمل ألا يكون نفس الموقف من الحوار الذي كانت دعت له المنظمة النقابية منذ عام، وتجاهله الرئيس.

يفسّر مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في تونس، الوزير السابق مهدي مبروك، واقع الحال في تونس، قائلاً: “لا شك أن سعيّد استطاع أن يستثمر غضب الناس من تأخر الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية التي تمنح الناس الرخاء، حيث تفاقمت البطالة وتدهور المرفق العمومي في مجالات الصحة والتعليم. ولا شك أن أزمة كورونا قد قدمت لسعيّد البلاد على طبق من ذهب، حتى يذهب في تطبيق مشروعه الهلامي الذي عبّر عنه أثناء حملته الانتخابية من دون أن ننتبه إليه”. وبرأيه فإن “سعيّد التحف بالدستور، واستند إلى الفصل 80 حتى يقدم انقلاباً ناعماً لا نرى فيه بدلة (بزة) عسكرية. وقد اختلف الكثير من الإعلاميين والخبراء في توصيف ما حدث، ولكنهم أجمعوا على أنه قبضة من حديد توجَّه إلى تجربة الانتقال الديمقراطي”.

ويقول مبروك، لـ”العربي الجديد”، إنه “تمت تعبئة الرأي العام وتجييش الشارع ليلة 25 يوليو لتقديم انطباع عام بأن سعيّد استجاب لمطالب الشعب، و”أن الشعب يريد”، والحقيقة أن سعيّد لم يكن يريد أن يجهز على ما سُميّ بالمنظومة فقط، بل على تجربة الانتقال الديمقراطي برمتها”. ويلفت إلى أنه “تم التلاعب بالرأي العام والتحايل عليه، وانطلى الأمر على الكثير من الأحزاب والنخب. ولكن لم تمض أسابيع قليلة حتى بدأ الناس ينفضون تدريجياً من حوله، وكان خطاب سعيّد موغلاً في الشعبوية، وعنيفاً تجاه خصومه إلى حد شيطنتهم، وقد استعمل قاموساً موغلاً في التنكيل بهم: فيروسات، جراثيم، فئران، خونة ومخمورون. وهو نصّب نفسه حاكماً أوحد، بحكم ما منح لنفسه من صلاحيات واسعة استولى بموجبها على جميع السلطات”.

ويسيطر سعيّد على المشهد الرسمي بالكامل، حيث يبدو المدير الوحيد للشأن العام، بعدما شكل حكومة نجلاء بودن، إثر طول انتظار وطلبات ملحة من الداخل والخارج، يرأس مجلس وزرائها أسبوعياً ويبدو المتحدث الوحيد باسمها، فيما لم تتحدث بودن ولو مرة واحدة للتونسيين منذ تعيينها في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وهو أمر مثير للغرابة، لكنه يعكس رغبة الرئيس في السيطرة على المشهد بالكامل، ولكنه في نفس الوقت سيتحمل وزره وتداعياته بالكامل أيضاً.




وفي تقييم لاختبار سعيّد في إدارة الشأن العام، يبيّن مبروك أن “سعيّد فشل في أول الاختبارات: احتجاج مدينة عقارب بسبب الوضع البيئي الكارثي بمدينة صفاقس، والتلميح بإلغاء القانون 38 المتعلق بتشغيل من طالت بطالتهم من حاملي الشهادات الجامعية العليا، ولذلك فشتاء الاحتجاج قادم، ولن تستطيع حكومة الرئيس هذه المرة أن تتعلل بأي علة مقبولة، فهي سيدة نفسها، تتحرك تحت ظل سعيّد”. ويوضح أن “سعيّد وتّر علاقات تونس بأصدقائها التقليديين، وتحديداً الاتحاد الأوروبي وأميركا، وتراجعت مكانة تونس في منتظم البلدان الديمقراطية. ولا شك في أن معضلات البلاد الاقتصادية والاجتماعية ستتفاقم، ولن تمكن سعيّد من تحقيق مشروعه الهلامي: ديمقراطية بلا نخب ولا أجسام وسيطة، ديمقراطية غير تمثيلية. إنها شعبوية تسلطية”.

وبدا الأمر محبطاً للتونسيين، أمس الأربعاء، عندما طالعوا قائمة الدول الـ110 المدعوة لقمة الديمقراطية الافتراضية التي تنتظمها الإدارة الأميركية، واستثنيت منها تونس. ويقول مبروك: “ستكون تجربة قيس سعيّد قوسين سيغلقان ولو طال أمدهما، ولا شك ستكون التكلفة باهظة على مقدرات البلاد والثقافة السياسية وصورة مؤسسات الدولة وأجهزتها، الناعمة أو الصلبة. ولا شك أن بلادنا ستعيش نكوصاً ديمقراطياً مراً، ولكن ستتعافى منه لو استطاعت النخب أن تستوعب الدرس وتستنتج ما يجب استنتاجه: من يعيننا على سعيّد هو سعيّد نفسه، بأخطائه، والزمن الذي يلعب ضده”.


شاكر الحوكي: غابت المقاومة خلال الأسبوع الأول من الانقلاب 


وأصابت الصدمة أغلب مكونات الساحة السياسية التونسية في الأيام الأولى للانقلاب، خصوصاً بعدما ترافقت إجراءات سعيّد مع وجود دعم شعبي، عكس رغبة تونسيين كثيرين في تغيير الأوضاع التي كانت عليها البلاد منذ سنوات، وتكرّست في مشهد سياسي وبرلماني رديء، أُضيف إليه اشتغال مُحكم لتهيئة الأجواء وقبول أي تغيير يأتي. وكان سعيّد يقول في كل مرة إن ما أقدم عليه كان تكريساً لإرادة شعبية مطلقة، وإن “الشعب يريد” ذلك، وإن هناك صوتاً واحداً جامعاً لإقصاء كل المنظومة، واستقدام مفهوم جديد لإدارة الدولة والحياة السياسية عبر برنامج، لم يتبيّن إلى حد الآن، ولكنه يكتفي بالحديث عن ديمقراطية قاعدية تنهي الديمقراطية التمثيلية وتستبدل نظامها، في انتظار الإعلان عن ذلك بصراحة ووضوح. لكن لم يدم الأمر طويلاً حتى برزت أصوات متناثرة معارضة ورافضة لهذا التوجه، تشكلت تدريجياً في مبادرة مواطنية اسمها “مواطنون ضد الانقلاب”، سرعان ما تمكنت من تغيير المعادلة في الشارع وتحولت إلى عامل ضغط بمواجهة إجراءات سعيّد.

ويوضح شاكر الحوكي، وهو أحد قادة “مواطنون ضد الانقلاب” وأستاذ القانون الدستوري ورئيس الجمعية العربية للعلوم السياسية والقانونية، أن المبادرة نجحت في تصويب المفهوم، وجعلت الناس يتحدثون عما حدث بمسماه الحقيقي، أي انقلاب، والعبارة شقت طريقها في الخطاب اليومي، داخلياً ودولياً، وهذا دليل على أن ما وقع من قبل سعيّد ليس تصحيح مسار كما يزعم البعض، بل هو انقلاب. ويلفت إلى أن “مواطنون ضد الانقلاب” أنقذت الموقف، لأنها أكدت أن المجتمع التونسي منقسم وليس كله مع الانقلاب، ولا يوجد تفويض شعبي لرئيس الجمهورية كي يفعل ما يريد، وكان كل تحرك للمبادرة في الشارع يوجه رسالة للداخل والخارج ولسعيّد. ويشير إلى أن “الخروج الأول (إلى الشارع)، في 18 سبتمبر، كان هدفه كسر حاجز الصمت والخوف، والخروج الثاني في 26 سبتمبر، ثم يوم 10 أكتوبر كانا من أجل كسر ادعاء التفويض ووحدة الشعب، والرسالة تقريباً وصلت إلى سعيّد والمراقبين في الخارج كذلك. والخروج الأخير أمام البرلمان يوم 14 نوفمبر (تشرين الثاني الحالي) كان من أجل استئناف المسار الديمقراطي والشرعية من أجل عودة البرلمان، وهذا ليس حباً في البرلمان بل لعودة المؤسسات (إلى عملها). ولهذا كانت الدعوة للذهاب إلى انتخابات سابقة لأوانها”.

ووفقاً للحوكي فإن “مواطنون ضد الانقلاب” تنتشر في الميدان، وهي ابنة الواقع الموضوعي، مشيراً إلى أن لقائهم في الحراك كان سببه موقفهم المبدئي ضد الانقلاب، بمعنى أنه تم تقييم الوضع السياسي في حينه، واعتبار ما قام به رئيس الجمهورية انقلاباً على الدستور وعلى الانتقال الديمقراطي. وإذا كان السؤال اليوم مطروحاً حول الأفق والمستقبل للمبادرة، يوضح الحوكي أن سقفها في المرحلة الراهنة هو إسقاط الانقلاب لا أكثر، وتحولها إلى تنظيم سياسي مستقبلاً سيكون رهن الحاجة الموضوعية إلى ذلك. أما في ما يتعلق بمستقبل البلاد فهناك تكلفة سيدفعها الشعب التونسي، لأن ما حصل ترك البلاد والحكومة في عزلة دولية، لأن هذا الوضع نفّر المستثمرين وأجّل الهبات والقروض، وضرب نسق النشاط المدني والفكري، وبالتالي فالمستقبل لا ينبئ بالكثير من التفاؤل، وإنما إذا سقط الانقلاب فسيتم استئناف المسار الانتقالي من جديد، ولكن الصعوبات ستكون أكبر وسيتم دفع ثمن هذه الأشهر، وأثرها سيكون عميقاً على مفهوم الديمقراطية وعلى هضمه مجدداً والتطبيع معه، لأن ما يحصل حالياً يمثل ردة فعل على مفهوم العمل السياسي والديمقراطي والقيم المشتركة والحريات وحقوق الإنسان.

وطرحت تجربة الأسابيع الأخيرة أسئلة عدة حول التجربة الديمقراطية في تونس، وقدرتها على الصمود، وإن كانت تغلغلت بالقدر الكافي في الذهنية العامة والممارسة الجماعية، وقادرة على أن تدافع على نفسها. ويقول الحوكي، لـ”العربي الجديد”: “لست متفائلاً بهذا الخصوص، وأعتقد أننا نحتاج إلى الكثير من الوقت للتطبيع مع الثقافة السياسية الديمقراطية، وبصراحة كانت الفضيحة لتكون كبيرة للتجربة الديمقراطية لولا “مواطنون ضد الانقلاب”، وهو ما أثار التساؤل والدهشة بالنسبة للمراقبين والمتابعين في الخارج، لأن الانقلاب قد يحصل في المسارات الانتقالية، لأنه مسار غير ثابت بطبيعته ومعروف بالتخبط، بل يحتمل المخاطر. ولكن ما طرح التساؤل هو غياب المقاومة، خاصة خلال الأسبوع الأول على الأقل من الانقلاب، فقد حصلت حالة انكماش وصمت وخوف أفزعت المتابعين في الخارج، خصوصاً أن بعض المنظمات والجمعيات والشخصيات، التي كانت تتدرب على الممارسة الديمقراطية، أصبحت تبرر الانقلاب”. ويقول إن “الحضور كان مكثفاً في مسيرة باردو الأخيرة مثلاً، وحضر محتجون من عديد من المحافظات، ولكن مشاركة العاصمة كانت بصراحة ضعيفة، والمحتجون هم أقرب للانتماءات الحزبية. وكان يؤمل أن يكون الدفاع عن الديمقراطية لأسباب مبدئية صرفة، ولكن التقاطع بهذا الخصوص غير ثابت تماماً، فهناك نسبة مهمة من قواعد حزبية من المشاركين في التحركات، ولكن هناك من يؤكد أن ذلك كان دفاعاً عن المسار الديمقراطي وليس على الوجود والمصلحة الحزبية؟”.


قاسم الغربي: هناك أحزاب ساندت سعيّد ضد “النهضة”


وبدا المشهد الحزبي عقب 25 يوليو قائماً على انتهازية واضحة في التعامل مع الأحداث على قاعدة المصلحة القريبة الآنية، والأمل في أن يتولى سعيّد عملية إقصاء المنافس العنيد الذي سيطر على المشهد الانتخابي والسياسي في السنوات الأخيرة، حركة “النهضة”. وذهبت أغلب الأحزاب في البداية إلى مساندة سعيّد، بشكل مباشر أو مبطن أو بشروط، قبل أن تبدأ في التراجع تدريجياً مع توضح مشروع الرئيس، وخسارته حتى لأغلب مسانديه واحداً تلو الآخر، بعدما تأكد أنه يلفظ كل المنظومة الحزبية. وفيما حصلت القطيعة بشكل واضح مع “التيار الديمقراطي”، بدأت حركة “الشعب” بدورها تؤكد أن مساندتها للرئيس ليست مطلقة، وأن عليه إنهاء الفترة الاستثنائية، وأنها لا تلتقي معه في ضرب الديمقراطية التمثيلية. وحتى حزب “الدستوري الحر”، الذي تقوده عبير موسي، والذي صفق بحرارة لسعيّد، تراجع عن ذلك وأصبح من أشد المعارضين، داعياً إلى انتخابات سابقة لأوانها بسرعة، ومنتقداً دعوة الرئيس لاستفتاء على طريقته.

ويؤكد المحلل السياسي قاسم الغربي أن “المشهد الحزبي التونسي بالفعل انتهازي، لأن أغلب المواقف المساندة في الظاهر لقيس سعيّد لم تكن مساندة له في الحقيقة، وإنما كانت تريد استعماله ضد خصمها السياسي، على الرغم من أنه لم يغالط في هذا الشأن وكان واضحاً لأنه رفض منذ البداية كل الأحزاب”. ويقول، لـ”العربي الجديد”، إن هناك انسحاباً تدريجياً أو تكتيكياً حصل لحزب “التيار الديمقراطي” الذي أصبح معارضاً بشكل واضح لإجراءات 22 سبتمبر أكثر منها لـ25 يوليو، بينما حصل هذا الانسحاب من مساندة سعيد ببطء كبير بالنسبة لحركة الشعب، وفق ما عبر عنه القيادي سالم الأبيض بأن الخطر الكبير الجاثم هو الحكم الفردي”. 

وتقف “النهضة” مترددة إزاء المشهد الجديد في تونس، وغارقة في مشاكلها الداخلية وانقساماتها، بعد استقالة العشرات من كوادرها، محاولة إعادة ترتيب بيتها وتقليص حجم الخسائر، لكنها تدعم، بشكل غير مباشر، الحراك المعارض لسعيّد، وتحاول أن تقوم ببعض المراجعات عبر اعترافات عابرة بأن 25 يوليو كان استجابة لحاجة في الشارع على رأي رئيس الحركة راشد الغنوشي. لكن “النهضة” تعاني دون شك من عزلة، إذ إن أغلب الأحزاب تتفادى التنسيق معها علناً، حتى لا يصيبها غضب الشارع، بعد تحميل “النهضة” المسؤولية كاملة عن إخفاق السنوات الماضية.






Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً