Night Stalker… ليبدو أنّ العالم في إثر الشيطان

لم يكن مشهداً عادياً خروج السكان المحليين، يوم 31 أغسطس/آب من عام 1985، في أحد أحياء لوس أنجيليس، لمطاردة القاتل المتسلسل الشهير، ريتشارد راميريز، المعروف بـ Night Stalker. لم تكن الشرطة من ألقى القبض عليه، وإنّما الناس العاديون، الذين ما أن عرفوا أنه يجول في أحيائهم، حتى خرجوا في إثره، وضربوه، شجّوا رأسه، وسلّموه إلى الشرطة.


يُستعاد هذا المشهد اليوم، مع السلسلة التي نشرتها نتفليكس أخيراً، بعنوان Night Stalker: The Hunt for a Serial Killer. أربع حلقات وثائقية، تتناول جرائم القاتل، من خلال شهادات تقدّمها ناجيات، وأقارب الضحايا الـ 13، والمحقّقان اللذان كانا في إثره، وهما جيل كاريلو، وفرانك ساليرنو.


كان التركيز الأكبر في السلسلة على جيل كاريلو؛ محقّق مكسيكي الأصل، وهذا ما يجمعه بالقاتل؛ فـ راميريز أيضاً، من أصل مكسيكي. تستعرض السلسلة بطولة كاريلو، وشعوره بالعار والخجل من كون راميريز أيضاً من ذات الأصول؛ مشيراً إلى أنّه عاش في أحياء مشابهة، يسكنها الهيسبانيون، وهي أحياء، كما يرى، مليئة بالعنف. أليست هذه أيضاً، بشكل أو بآخر، كلمات دونالد ترامب الذي أراد أن يبني جداراً يفصل بلاده عن المكسيك لأنّ الأخيرة، بالنسبة له، تمثّل تهديداً للولايات المتحدة كونها بلاداً تورّد القتلة والمجرمين؟



وإن بدت السلسلة مجرّد استعادة تشويقية للتحقيق والمطاردة للقاتل، إلّا أنها انطوت على كثير من العنصرية والانحياز، سواء ضدّ القاتل نفسه، أو، بطريقة ما، في تنميط المجتمعات الهيسبانية، التي كانت تتعرّض إلى عنصرية كبيرة في فترة الثمانينيات.


بدايةً، نلاحظ هذا في الوثائقي من خلال طريقته في إظهار ضيوفه؛ فالمتحدّثون البيض، والنساء بالذات، يظهرن بإضاءة فاتحة اللون، يضعن المكياج، بينما النساء من غير البيض، نراهنّ في إضاءة أخفت، وبالكاد يضعن المكياج.


ينحاز الوثائقي ضد المجتمع الهيسباني ويعمل على تنميطه


كما تُصرّ السلسلة على إظهار العنف في المجتمعات الهيسبانية. وهنا، فلنعد إلى المشهد السابق؛ إلقاء القبض على راميريز من قبل السكّان المحليين. حقيقةً، استطاع النظام أن يجعل أهالي الأحياء امتداداً ومعاونين له؛ لأنّه، عبر وسائل إعلامه، اعتمد خطاباً يصرّ على القول إن القاتل من أصول مكسيكية؛ لينتاب السكّان شعور بالذنب، ورغبة بـ “تطهير” أنفسهم من هذا القاتل.


لا تبدو السلسلة معنية بشيء آخر، سوى هذه الإشارات السياسية؛ إذ لم تتطرّق إلى راميريز نفسه، ومحاولة فهم طبيعته الإنسانية، بل واصلت تصويره على أنه مجرّد وحش، أو كائن مريض ومختلّ كل همّه القتل والاغتصاب. لعلّ مشهداً واحداً فقط، وبسرعة، جاء فيه أن والد راميريز كان يعاقبه بقسوة حين كان طفلاً: يأخذه إلى المقبرة ليلاً ويقيّده إلى صليب ويتركه طوال الليل هكذا. مرّت هذه العبارة مرور الكرام. إلى جانب أنّه رافق قريباً له، كان قد قتل زوجته أمامه، بعد عودته من فييتنام. هذا “فقط” ما نعرفه عن نشأة راميريز وجذوره الاجتماعية والنفسية.




في أحد مواقع الجرائم التي ارتكبها “متعقّب الليل”، ترك إمضاءً وراءه، وكان النجمة الخماسية المحاطة بدائرة، وهي رمز الشيطان. بطبيعة الحال، يُثار الإعلام الأميركي بهذه الأمور، وينهمك بالترويج لها، ليزيد من عنصري الإثارة والتشويق في المجتمع، واللهاث وراء وسم الشخص، وختمه بما يحلو للمؤسسة. كذلك، لتسطيح أي خطاب جدّي يمكن أن يقترحه أحد، ولبثّ فكرة مفادها أنّنا نبحث رجل غامض يعبد الشيطان.



هذا يزيد من انفصال المجتمع عن واقع أنّ القاتل هو، في نهاية الأمر، إنسان، بل سيُنظر إليه على أنه كائن غامض يتواصل مع الشيطان ويعبده. يتناسى الإعلام، هنا، أن توقيعاً كهذا ليس سوى وسيلة للّعب بالنسبة للقاتل، يستدرج فيها الجمهور، والمؤسسة الرسمية، لفخّ البلاهة الذي سرعان ما يسقط الجميع فيه، بينما يمضي هو في ارتكاب مزيد من الجرائم.


عنصرية النظام هنا، سواء كان متمثلاً بالإعلام، أو جهاز الشرطة، ومثابرة الجهتين على وسم الأفراد وختمهم، ليسا سوى مزيد من المبرّرات لتوجيه الأشخاص إلى مزيد من العنف. حين يفقد المرء شعوره بأهميته في هذا المجتمع، ويصبح مجرّد “مهاجر”، أو شخص فاشل، سيميل إلى العنف أكثر، وسيسعى إلى بث رسائل مضادّة للقيم الاجتماعية السائدة التي نبذته، وعلامة الشيطان ليست سوى رسالة من هذا القبيل.



يتساءل أستاذ الفلسفة، ديفيد رودين، في كتاب يحمل عنوان Serial Killing: A Philosophical Anthology: “من الشائع وصف أفعال القتلة المتسلسلين بأنها “غير إنسانية”؛ حيث يتم وضعهم في فئة منفصلة عن البشر العاديين، حتى عن المجرمين العاديين. ومع ذلك، ما هو المعنى، إن وجد، الذي يمكن استخلاصه من هذا التوصيف؟ (…)  سأحاجج بأن هناك طريقة معينة لفهم إنسانيتنا، لا تتضمّن القتلة المتسلسلين، والمختلّين عقلياً”. أي أنّها تُقصي هؤلاء وتنبذهم، كونهم لا ينتمون إلى الشرط الإنساني الذي وضعناه لنعرّف أنفسنا من خلاله.


عنصرية النظام هنا، سواء كان متمثلاً بالإعلام، أو جهاز الشرطة، ومثابرة الجهتين على وسم الأفراد وختمهم، ليسا سوى مزيد من المبرّرات لتوجيه الأشخاص إلى مزيد من العنف


نستذكر هنا، سلسلة وثائقية عرضتها “نتفليكس” العام الماضي بعنوان Conversations with a Killer: The Ted Bundy Tapes. العنوان وحده يضع تيد بندي في المركز، ونفهم منه أن السلسلة تتضمن حوارات معه، وسنستمع فيها إلى أشرطته التي سجلها في لقاء صحافي مطوّل. بعكس راميريز، مكسيكي الأصل، الذي رغم توفّر مادة معقولة من الحوارات المصوّرة معه، إلا أنّه لم يُعرض منها شيء في الوثائقي الذي يخص قضيته.


بينما بندي، الأبيض، حاز على حصّته لطرح “وجهة نظره”، لكن هذا لم يُتح لراميريز، الذي تطرّق في مقابلاته إلى “رؤيته” تجاه المجتمع والسلطة. يقول في إحدى المقابلات: “القتلة المتسلسلون يرتكبون بنطاق ضيق ما ترتكبه الحكومة بنطاق واسع”.




Source: alaraby.co.uk

اترك تعليقاً